وذكر الغزاليّ في"الإحياء"في كتاب آداب تلاوة القرآن في الباب الثالث في أعمال الباطن في التلاوة ، أن من أركانها التخلي عن موانع الفهم . قال: فإن أكثر الناس مُنِعوا عن فهم معاني القرآن لأسباب وحجب أسدلها الشيطان على قلوبهم ، فعميت عليهم عجائب أسرار القرآن ، وحجُب الفهم أربعةٌ . إلى أن قال:
وثانيها: أن يكون مقلداً لمذهب سمعه بالتقليد ، وجمد عليه ، وثبت في نفسه التعصب له بمجرد الاتباع للمسموع من غير وصول إليه ببصيرة ومشاهدة ، فهذا شخص قيَّده معتقده عن أن يجاوزه ، فلا يمكنه أن يخطر بباله غير معتقده ، فصار نظره موقوفاً على مسموعه ، حمل عليه شيطان التقليد حملة ، وقال: كيف يخطر هذا ببالِك ، وهو خلاف معتقد آبائك ؟ فيرى أن ذلك غرور الشيطان فيتباعد منه ، ويحترز عن مثله . ثم قال: رابعها: أن يكون قرأ تفسيراً ظاهر ، واعتقد أنه لا معنى لكلمات القرآن إلا ما تناوله النقل عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما ، وأن ما وراء ذلك تفسير بالرأي ، وأن من فسَّر القرآن برأيه فقد تبوَّأ مقعده من النار ، فهذا أيضاً من الحجب العظيمة . ثم قال:
وسنبين معنى التفسير بالرأي ، وأن ذلك لا يناقض قول عليّ رضي الله عنه: إلا أن يؤتي اللهُ عبداً فهماً في القرآن . وأنه لو كان المعنى هو الظاهر المنقول ، لما اختلف الناس فيه .
ثم ذكر بعدُ - عليه الرحمة - أن النهي عن التفسير بالرأي ينزل على أحد الوجهين:
أحدهما: أن يكون له في الشيء رأي ، وإليه ميل من طبعه وهواه ، فيتأول القرآن على وفق رأيه وهواه ، ليحتج على تصحيح غرضه ، كالمحتج على تصحيح بدعة بتأويل يخترعه تلبيساً على خصمه ، وكالجاهل المقتحم يتأول ما شاء هواه .
وثانيهما: أن يتسارع إلى تأويل بظاهر العربية من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغرائب التنزيل . انتهى .