{وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ} أي كل ذنب كبير وصغير مكتوب على عامله قبل أن يفعله ليجازى به ، ومكتوب إذا فعله ؛ سَطَرَ يَسْطُرُ سَطْراً كَتَب ؛ واستطر مثله.
قوله تعالى: {إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ} لما وصف الكفار وصف المؤمنين أيضاً.
"وَنَهَرٍ"يعني أنهار الماء والخمر والعسل واللّبن ؛ قاله ابن جريج.
ووحد لأنه رأس الآية ، ثم الواحد قد ينبئ عن الجميع.
وقيل: في"نَهَرٍ"في ضياء وسَعة ؛ ومنه النهار لضيائه ، ومنه أنهرت الجرح ؛ قال الشاعر:
مَلكتُ بها كَفي فأنهرتُ فَتقَها ...
يَرَى قائمٌ من دونها ما وراءَها
وقرأ أبو مِجْلَز وأبو نهيك والأعرج وطلحة بن مصرِّف وقتادة"وَنُهُرٍ"بضمتين كأنه جمع نهار لا ليل لهم ؛ كسحاب وسُحُب.
قال الفراء: أنشدني بعض العرب:
إِنْ تَكُ ليليًّا فإنِّي نَهِرُ ...
مَتَى أَرى الصُّبحَ فلا أَنتَظِرُ
أي صاحب النهار.
وقال آخر:
لَوْلا الثَّرِيدَانِ هَلَكْنا بالضُّمُرْ ...
ثَرِيدُ ليْلٍ وثَريدٌ بالنُّهُرْ
{فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ} أي مجلس حقّ لا لغو فيه ولا تأثيم وهو الجنة {عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ} أي يقدر على ما يشاء.
و"عِنْدَ"هاهنا عندية القُربة والزلفة والمكانة والرتبة والكرامة والمنزلة.
قال الصادق: مدح الله المكان الصدق فلا يقعد فيه إلا أهل الصدق.
وقرأ عثمان البَتِّي"فيِ مَقَاعِدِ صِدْقٍ"بالجمع ؛ والمقاعد مواضع قعود الناس في الأسواق وغيرها.
قال عبد الله بن بريدة: إن أهل الجنة يدخلون كل يوم على الجبار تبارك وتعالى ، فيقرؤون القرآن على ربهم تبارك وتعالى ، وقد جلس كل إنسان مجلسه الذي هو مجلسه ، على منابر من الدرّ والياقوت والزبرجد والذّهب والفضَّة بقدر أعمالهم ، فلا تَقَرّ أعينهم بشيء قط كما تَقَرّ بذلك ، ولم يسمعوا شيئاً أعظم ولا أحسن منه ، ثم ينصرفون إلى منازلهم ، قريرة أعينهم إلى مثلها من الغد.