ويدل على أن ضمير {دَنَا} يعود ويرجع إليه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في رواية"لما أسري بي إلى السماء قربني ربي حتى كان بيني وبينه كقاب قوسين أو أدنى، قيل لي: قد جعلت أمتك آخر الأمم لأفضح الأمم عندهم؛ أي: بوقوفهم على أخبارهم، ولا أفضحهم عند الأمم لتأخرهم عنهم". {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ} ؛ أي: فؤاد محمد - صلى الله عليه وسلم - {مَا رَأَى} . من ذات ربه، ومن عجائب الأمور الغيبية، ومن الألطاف عليه وعلى أمته. وقال أبو علي الفارسي في هذه الآية قولا يطول شرحه، وقصاراه: يرجع إلى أنه تعالى ستر بعض ما أوحى إلى نبيّه عن الخلق لما علم أن علمهم بذلك يفترهم عن السير في طريق العبودية اتكالًا على محض الربوبية. ولهذا قال لمعاذ بن جبل رضي الله عنه، حيث قال معاذ: أأخبر الناس بذلك يا رسول الله، فقال:"لا تخبرهم بذلك لئلا يتكلوا"، انتهى.
لَا يَكْتُمُ السِّرَّ إِلَّا كُلُّ ذِيْ خَطَرٍ ... وَالسِّرُّ عِنْدَ كِرَامِ النَّاسِ مَكْتُوْمُ
وَالسِّرُّ عِنْدِيَ فِيْ بَيْتٍ لَهُ غَلَقٌ ... قَدْ ضَاعَ مِفْتَاحُهُ وَالْبَابُ مَخْتُوْمُ
وقد قيل:
بَيْنَ الْمُحِبِّيْنَ سِرُّ لَيْسَ يُفْشِيْهِ ... قَوْلٌ وَلَا عَمَلٌ لِلْخَلْقِ يَحْكِيْهِ
سِرُّ يُمَازِجُهُ أُنْسٌ يُقَابِلُهُ ... نُوْرٌ تَحَيَّرَ فِيْ بَحْرٍ مِنَ التِّيهِ
وعبارة"الخازن": قوله تعالى: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ} قرئ بالتشديد؛ أي: {ما كذَّب} قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - {مَا رَأَى} ؛ أي: بعينه تلك الليلة، بل صدقه، وحققه، وقرئ. بالتخفيف؛ أي: ما كذب فؤاد محمد الذي رآه، بل صدقه. والمعنى: ما كذب الفؤاد فيما رأى.
واختلفوا في الذي رآه فقيل: رأى جبريل. وهو قول ابن عباس، وابن مسعود، وعائشة. وقيل: هو الله عز وجل. ثم اختلفوا في معنى رؤية الله، فقيل: جعل بصره في فؤاده، وهو قول ابن عباس.