ومعنى الآية: أقسم بمخلوقاتي العظيمة. وهي النجوم التي تسير في مداراتها، ولا تعدوا أفلاكها، والتي تهتدون بها في الفيافي والقفار في حلكم، وترحالكم، في سفركم وحضركم، وفي البحار، ولها لديكم منزلة عظمى في حياتكم المعيشية أنَّ محمّدًا نبي حقًّا، وما حاد عن سبيل الحق، ولا سلك سبيل الباطل. وقد خاطب سبحانه بهذا القسم العرب الذين يعرفون ما للنجوم من جزيل الفضل عليهم في تعيين المواسم، والفصول ليستعدوا للنجعة، ويرتادوا الكلأ بعد سقوط المطر، ويزرعوا ما يتسنى لهم أن يزرعوه، وهم يتيامنون ببعضها، ويتشاءمون ببعض آخر.
إلى أن القسم بها ينبهنا إلى أن هناك عوالم وأجرامًا علوية، يجب علينا أن نتعرف أمرها، لنستدل بها على عظيم قدرة مبدعها، وبديع صنعه.
والخلاصة: أنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - راشد، مرشد، تابع للحق ليس بضال، ولا هو بسالك للطريق بغير علم، ولا بغاو يعدل عن الحق قصدًا إلى غيره. وبهذا نزه الله رسوله وشرعه عن مشايعة أهل الضلال من اليهود والنصارى الذين يعلمون الحق، ويعملون بخلافه. فهو في غاية الاستقامة، والاعتدال، والسداد.
3 -وضمن كلمة {يَنْطِقُ} في قوله: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) } معنى الصدور، فعداه بكلمة {عَنِ} . فالمعنى: وما يصدر نطقه بالقرآن عن هواه ورأيه أصلًا. فإن المراد: استمرار نفي النطق عن الهوى، لا نفي استمرار النطق عنه، وقد يقال: {عَنِ} هنا بمعنى الباء؛ أي: وما ينطق بالهوى، كما يقال: رميت السهم عن القوس؛ أي: بالقوس. وفي"التنزيل": {وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ} ؛ أي: بقولك.
قال ابن الشيخ: قال أوّلًا: {مَا ضَلَّ} ، {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) } بصيغة الماضي، ثم قال: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) } بصيغة المستقبل بيانًا لحاله قبل البعثة وبعدها، أي: ما ضل، وما غوى حين اعتزلكم وما تعبدون قبل أن يبعث رسولًا، وما ينطق عن الهوى الآن، حين يتلو عليكم آيات ربه، انتهى.