واختلفوا في قوله تعالى: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18) } [النجم: 18] على أقوال:
أحدها: ما شاهد عند قاب قوسين.
والثاني: الرفرف الأخضر الذي سد الأفق.
والثالث: جبريل - عليه السلام - في صورته التي خلقه الله عليها.
والرابع: الجنة والنار، وما رأى من الملائكة - عليه السلام -.
قال ابن عباس - رضي الله عنهما - لما نزل قوله تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) } ، جاء عتيبة بن أبي لهب، فوقف على النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: يا محمد، هو كافر بالنجم إذا هوى، وبالذي دنا فتدلى، ثم تَفَل عليه وسبَّه. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد زوجه إحدى بناته، فطلَّقها عتيبة في ذلك اليوم، ولم يكن دخل بها. فدعا عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال:"اللَّهمَّ سَلِّط عليه كلبًا من كِلابِكَ". وبلغ أبا لهب، فقال: ما كان أغنى عتيبة عن دعوة محمد.
ثم إن أبا لهب خرج إلى الشام في تجارة ومعه عتيبة، فنزل الزرقاء، فاطلَعَ راهب من صومعته وقال: يا قوم، احفظوا رحالكم، فهذه أرض مَسْبَعَة، فقال أبو لهب لأصحابه: أعينونا الليلة، فإني أخاف على ابني دعوة محمد، فجمعوا حمالهم، وفرشوا لعتيبة في أعلاها، ونام القوم حوله، وجاء الأسد فجعل يتشمم القوم حتى وصل إلى عتيبة وشمه، ثم ضرب بيده، فأخذ يَافوخه، وانتبه القوم وقد أكله، فعاد أبو
لهب إلى مكة حزينًا، وهو يقول: استجيب لمحمد في ابني. وكان كُنيةُ عُتيبةَ: أبا واسع، وفي ذلك يقول حسان بن ثابت: [من السريع]
سائل بني الأَشعرِ إن جئتَهم ... ما كان أَنباءُ أَبي واسعِ
لا وسَّع الله له قبره ... وضيَّق الله على القاطعِ
رمى رسولَ الله من بينهم ... دون قريش رميةَ القاذع
فاستوجب الدعوة منه بما ... بَيَّن للناظر والسامع
أن قيَّض الله له كلبه ... يمشي الهوينا مشية الخادع
حتى أتاه ويسْط أصحابه ... وقد عَلَتْهم سِنَةُ الهاجِعِ
فالتقم الرأسَ بيافوخه ... يفعل فِعلَ القَرِمِ الجائعِ
ثم علا بعد بأنيابه ... معفَّرًا وسْط دمٍ ناقعِ
قد كان هذا لكم عبرةً ... للسيّد المتبوع والتابع
من يرجع الآن إلى أهله ... فلستَ يا عتبةُ بالراجعِ
قال البلاذُري: وجعل عتيبة يقول وهو بآخر رمق: ألم أقل لكم إن محمدًا أصدق الناس، ومات. انتهى انتهى {مرآة الزمان، لسبط ابن الجوزي} ...