ومن آداب الحضرة ما قال الشبلي: الانبساط بالقول مع الحق ترك الأدب، وهذا يختص ببعض الأحوال والأشياء دون البعض، ليس هو على الإطلاق، لأن الله تعالى أمر بالدعاء، وإنما الإمساك عن القول كما أمسك موسى عن الانبساط في طلب المآرب والحاجات الدنيوية، حتى رفعه الحق مقاماً في القرب وأذن له في الانبساط وقال: اطلب مني ولو ملحاً لعجينك، فلما بسط انبسط وقال: {رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} (القصص: الآية 24) لأنه كان يسأل حوائج الآخرة ويستعظم الحضرة أن يسأل حوائج الدنيا لحقارتها وهو في حجاب الحشمة عن سؤال المحقرات، ولهذا مثال في الشاهد، فإن الملك المعظم يسأل المعظمات ويحتشم في طلب المحقرات، فلما رفع بساط حجاب الحشمة صار في مقام خاص من القرب يسأل الحقير كما يسأل الخطير.
قال ذو النون المصري: أدب العارف فوق كل أدب، لأن معروفه مؤدب قلبه.
وقال أبو علي الدقاق في قوله تعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} (الأنبياء: الآية 83) لم يقل ارحمني لأنه حفظ أدب الخطاب.
وقال عيسى عليه السلام: {إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} (المائدة: الآية 116) ولم يقل: لم أقل، رعاية لأدب الحضرة.
وقال أبو نصر السراج: أدب أهل الخصوصية من أهل الدين في طهارة القلوب، ومراعاة الأسرار، والوفاء بالعهود، وحفظ الوقت، وقلة الالتفات إلى الخواطر والعوارض والبوادي والعوائق، واستواء السر والعلانية، وحسن الأدب في مواقف الطلب ومقامات القرب وأوقات الحضور. والأدب أدبان: أدب قول، وأدب فعل؛ فمن تقرب إلى الله تعالى بأدب فعل منحه محبة القلوب.
قال ابن المبارك: نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم.
وقال أيضاً: الأدب للعارف بمنزلة التوبة للمستأنف.
وقال النوري: من لم يتأدب للوقت فوقته مقت.
وقال ذو النون: إذا خرج المريد عن حد استعمال الأدب فإنه يرجع من حيث جاء.