وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصِّحَّةِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} قَوْلُ مَنْ قَالَ: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ هُجُوعُهُمْ، لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَصَفَهُمْ بِذَلِكَ مَدْحًا لَهُمْ، وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ بِهِ، فَوَصَفَهُمْ بِكَثْرَةِ الْعَمَلِ، وَسَهَرِ اللَّيْلِ، وَمُكَابَدَتِهِ فِيمَا يُقَرِّبُهُمْ مِنْهُ وَيُرْضِيهِ عَنْهُمْ أَوْلَى وَأَشْبَهُ مِنْ وَصْفِهِمْ مِنْ قِلَّةِ الْعَمَلِ، وَكَثْرَةِ النَّوْمِ، مَعَ أَنَّ الَّذِيَ اخْتَرْنَا فِي ذَلِكَ هُوَ أَغْلَبُ الْمَعَانِي عَلَى ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ.
وَقَوْلُهُ: {وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: وَبِالْأَسْحَارِ يُصَلُّونَ.
[عن] الضَّحَّاك، يَقُولُ: «كَانُوا يَقُومُونَ وَيَنَامُونَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» : {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ} «فَهَذَا نَوْمٌ، وَهَذَا قِيَامٌ» {وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ} «كَذَلِكَ يَقُومُونَ ثُلُثَا وَنِصْفًا وَثُلُثَيْنِ» : يَقُولُ: «يَنَامُونَ وَيَقُومُونَ»
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِذَلِكَ أَنَّهُمْ أَخَّرُوا الِاسْتِغْفَارَ مِنْ ذُنُوبِهِمْ إِلَى السَّحَرِ
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: {وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} قَالَ: «هُمُ الْمُؤْمِنُونِ»
قَالَ: «وَبَلَغَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْقُوبَ حِينَ سَأَلُوهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُمْ» {قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} {قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي}
قَالَ:"قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّهُ أَخَّرَ الِاسْتِغْفَارَ إِلَى السَّحَرِ"قَالَ:""
وَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ السَّاعَةَ الَّتِي تُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ الْجَنَّةِ: السَّحَرُ""
وَقَوْلُهُ: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَفِي أَمْوَالِ هَؤُلَاءِ الْمُحْسِنِينَ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ حَقٌّ لِسَائِلِهِمُ الْمُحْتَاجِ إِلَى مَا فِي أَيْدِيهِمْ وَالْمَحْرُومِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى السَّائِلِ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ، وَهُمْ فِي مَعْنَى الْمَحْرُومِ مُخْتَلِفُونَ، فَمِنْ قَائِلٍ: هُوَ الْمُحَارَفُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ سَهْمٌ.