ثانيها: هو من الإيعاد لأن البناء للمفعول من أوعد يوعد أي وما توعدون إما من الجنة والنار في قوله تعالى: {يَوْمَ هُمْ عَلَى النار} [الذاريات: 13] وقوله: {إِنَّ المتقين فِى جنات} [الذاريات: 15] فيكون إيعاداً عاماً ، وأما من العذاب وحينئذ يكون الخطاب مع الكفار فيكون كأنه تعالى قال: وفي الأرض آيات للموقنين كافية ، وأما أنتم أيها الكافرون ففي أنفسكم آيات هي أظهر الآيات وتكفرون لها لحطام الدنيا وحب الرياسة ، وفي السماء الأرزاق ، فلو نظرتم وتأملتم حق التأمل ، لما تركتم الحق لأجل الرزق ، فإنه واصل بكل طريق ولاجتنبتم الباطل اتقاء لما توعدون من العذاب النازل.
فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23)
وفي المقسم عليه وجوه أحدها: {مَّا تُوعَدُونَ} أي ما توعدون لحق يؤيده قوله تعالى: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لصادق} [الذاريات: 5] وعلى هذا يعود كل ما قلناه من وجوه {مَّا تُوعَدُونَ} إن قلنا إن ذلك هو الجنة فالمقسم عليه هو هي.
ثانيها: الضمير راجع إلى القرآن أي أن القرآن حق وفيما ذكرناه في قوله تعالى: {يُؤْفَكُ عَنْهُ} [الذاريات: 9] دليل هذه وعلى هذا فقوله: {مّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} معناه تكلم به الملك النازل من عند الله به مثل ما أنكم تتكلمون وسنذكره.
ثالثها: أنه راجع إلى الدين كما في قوله تعالى: {وَإِنَّ الدين لَوَاقِعٌ} [الذاريات: 6] .
رابعها: أنه راجع إلى اليوم المذكور في قوله: {أَيَّانَ يَوْمُ الدين} [الذاريات: 12] يدل عليه وصف الله اليوم بالحق في قوله تعالى: {ذَلِكَ اليوم الحق} [النبأ: 39] .
خامسها: أنه راجع إلى القول الذي يقال: {هذا الذي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ} [الذاريات: 14] وفي التفسير مباحث:
الأول: الفاء تستدعي تعقيب أمر لأمر فما الأمر المتقدم ؟ نقول فيه وجهان.