ومنه قوله تعالى: {هذا خَلْقُ الله} [لقمان: 11] أي مخلوقه.
ومعنى"فرغ منهم"كمل خلقهم.
لا أنه اشتغل بهم ثم فرغ من شغله بهم؛ إذ ليس فعله بمباشرة ولا مناولة، ولا خَلْقُه بآلة ولا محاولة؛ تعالى عن ذلك.
وقوله:"قامت الرّحم فقالت"يحمل على أحد وجهين: أحدهما أن يكون الله تعالى أقام من يتكلم عن الرحم من الملائكة فيقول ذلك، وكأنه وكل بهذه العبادة من يناضل عنها ويكتب ثواب من وصلها ووزر مَن قطعها؛ كما وكل الله بسائر الأعمال كراماً كاتبين، وبمشاهدة أوقات الصلوات ملائكة متعاقبين.
وثانيهما أن ذلك على جهة التقدير والتمثيل المفهم للإعياء وشدّة الاعتناء.
فكأنه قال: لو كانت الرحم ممن يعقل ويتكلم لقالت هذا الكلام؛ كما قال تعالى: {لَوْ أَنزَلْنَا هذا القرآن على جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ الله ثم قال وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 21] .
وقوله:"فقالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة"مقصود هذا الكلام الإخبار بتأكّد أمر صلة الرحم، وأن الله سبحانه قد أنزلها بمنزلة من استجار به فأجاره، وأدخله في ذمته وخُفارته.
وإذا كان كذلك فجار الله غير مخذول وعهده غير منقوض.
ولذلك قال مخاطباً للرَّحِم:"أمَا تَرْضَيْن أن أصل مَن وصلكِ وأقطع مَن قطعكِ".
وهذا كما قال عليه السلام:"ومن صلى الصبح فهو في ذمة الله تعالى فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء فإنه من يطلبه بذمته بشيء يدركه ثم يَكُبّه في النار على وجهه". انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 16 صـ}