وعن الحسن وجماعة: وما أدري ما يصير إليه أمري وأمركم في الدنيا ، ومن الغالب منا والمغلوب؟ وعن الكلبي ، قال له أصحابه ، وقد ضجروا من أذى المشركين: حتى متى نكون على هذا؟ فقال: ما أدري ما يفعل بي ولا بكم أأنزل بمكة؟ أم أومر بالخروج إلى أرض قد رفعت ورأيتها ، يعني فِي منامه ، ذات نخل وشجر؟ وقال ابن عباس ، وأنس بن مالك ، وقتادة ، والحسن ، وعكرمة: معناه في الآخرة ، وكان هذا في صدر الإسلام ، ثم بعد ذلك عرفه الله تعالى أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وأن المؤمنين لهم من الله فضل كبير وهو الجنة ، وبأن الكافرين في نار جهنم ؛ وهذا القول ليس بظاهر ، بل قد أعلم سبحانه من أول الرسالة حال الكافر وحال المؤمن.
وقيل: {ما يفعل بي ولا بكم} من الأوامر والنواهي ، وما يلزم الشريعة.
وقيل: نزلت في أمر كان النبي (صلى الله عليه وسلم) ينتظره من الله في غير الثواب والعقاب.
{إن أتبع إلا ما يوحى إليّ} : استسلام وتبرؤ من علم المغيبات ، ووقوف مع النذارة إلا من عذاب الله.
وقرأ الجمهور: ما يفعل بضم الياء مبنياً للمفعول ؛ وزيد بن عليّ ، وابن أبي عبلة: بفتحها.
والظاهر أن ما استفهامية ، وأدري معلقة ؛ فجملة الاستفهام موصولة منصوبة. انتهى.
والفصيح المشهور أن دَرَى يتعدى بالباء ، ولذلك حين عدي بهمزة النقل يتعدى بالباء ، نحو قوله: {ولا أدراكم به} فجعل ما استفهامية هو الأولى والأجود ، وكثيراً ما علقت في القرآن نحو: {وإن أدري أقريب} ، ويفعل مثبت غير منفي ، لكنه قد انسحب عليه النفي ، لاشتماله على ما ويفعل ؛ فلذلك قال: {ولا بكم} .
ولولا اعتبار النفي ، لكان التركيب {ما يفعل بي ولا بكم} .
ألا ترى زيادة من في قوله: {أن ينزل عليكم من خير} لانسحاب قوله: {ما يود الذين كفروا} على يود وعلى متعلق يود ، وهو أن ينزل ، فإذا انتفت ودادة التنزيل انتفى التنزيل.