وأتى بالظاهرين بدل المضمرين في {قال الذين كفروا للحق} ، ولم يأت التركيب: قالوا لها ، تنبيهاً على الوصفين: وصف المتلو عليهم بالكفر ، ووصف المتلو عليهم بالحق ، ولو جاء بهما الوصفين ، لم يكن في ذلك دليل على الوصفين من حيث اللفظ ، وإن كان من سمى الآيات سحراً هو كافر ، والآيات في نفسها حق ، ففي ذكرهما ظاهرين ، يستحيل على القائلين بالكفر ، وعلى المتلو بالحق.
وفي قوله: {لما جاءهم} تنبيه على أنهم لم يتأملوا ما يتلى عليهم ، بل بادروا أول سماعه إلى نسبته إلى السحر عناداً وظلماً ، ووصفوه بمبين ، أي ظاهر ، إنه سحر لا شبهة فيه.
{أم يقولون افتراه} : أي بل يقولون افتراه ، أي بل أيقولون اختلقه؟ انتقلوا من قولهم: {هذا سحر} إلى هذه المقالة الأخرى.
والضمير في افتراه عائد إلى الحق ، والمراد به الآيات.
{قل إن افتريته} ، على سبيل الفرض ، فالله حسبي في ذلك ، وهو الذي يعاقبني على الافتراء عليه ، ولا يمهلني ؛ {فلا تملكون لي} عقوبة الله بي شيئاً.
فكيف أفتريه وأتعرض لعقابه؟ يقال: فلان لا يملك إذا غضب ، ولا يملك عنانه إذا صم ؛ ومثله: {فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم} {ومن يريد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً} ومنه قوله عليه الصلاة والسلام:"لا أملك لكم من الله شيئاً"ثم استسلم إلى الله واستنصر به فقال: {هو أعلم بما تفيضون فيه} : أي تندفعون فيه من الباطل ، ومراده الحق ، وتسميته تارة سحراً وتارة فرية.
والضمير في فيه يحتمل أن يعود على ما ، أو على القرآن ، وبه في موضع الفاعل يكفي على أصح الأقوال.
{شهيداً بيني وبينكم} : شهيد إليّ بالتبليغ والدعاء إليه ، وشهيد عليكم بالتكذيب.
{وهو الغفور الرحيم} : عدة لهم بالغفران والرحمة إن رجعوا عن الكفر ، وإشعار بحلمه تعالى عليهم ، إذ لم يعاجلهم بالعقاب ، إذ كان ما تقدم تهديداً لهم في أن يعاجلهم على كفرهم.