والمعنى: نفي أن يكون لهم حجة على إلهية الأصنام لا بتأثيرها في المخلوقات ، ولا بأقوال الكتب ، فهذا قريب من قوله في سورة فاطر (40) {أم آتيناهم كتاباً فهم على بينة منه} والمراد بـ (كتاب) أيُّ كتاب من الكتب المقروءة.
وهذا قاطع لهم فإنهم لا يستطيعون ادعاء أن لأصنامهم في الكتب السابقة ذِكراً غير الإبطال والتحذير من عبادتها ، فلا يوجد في الكتب إلا أحد أمرين: إمّا إبطال عبادة الأصنام كما في الكتب السماوية ، وإمّا عدم ذكرها البتة ويدل على أن المراد ذلك قوله بعده: أو أثارة من علم.
والإتيان مستعار للإحضار ولو كان في مجلسهم على ما تقدم في قوله تعالى: {فأتوا بسورة من مثله} في سورة البقرة (23) .
والإشارة في قوله: من قبل هذا إلى القرآن لأنه حاضر في أذهان أصحاب المحاجة فإنه يُقرأ عليهم معاودة.
ووجه تخصيص الكتاب بوصف أن يكون من قبل القرآن ليسد عليهم باب المعارضة بأن يأتوا بكتاب يُصنع لهم ، كمَا قالوا: {لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلاّ أساطير الأولين} [الأنفال: 31] .
و {أثارة} بفتح الهمزة: البقية من الشيء.
والمعنى: أو بقية بقيت عندكم تروونها عن أهل العلم السابقين غير مسطورة في الكتب.
وهذا توسيع عليهم في أنواع الحجة ليكون عجزهم عن الإتيان بشيء من ذلك أقطع لدعواهم.
وفي قوله: {إن كنتم صادقين} إلهاب وإفحام لهم بأنهم غير آتين بحجة لا من جانب العقل ولا من جانب النقل المسطور أو المأثور ، وقد قال تعالى في سورة القصص (50) {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم.}
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5)