26 -ثم أمر رسوله أن يرد عليهم فقال: {قُلْ} يا محمد لهؤلاء المشركين المنكرين للبعث {اللَّهِ} سبحانه وتعالى {يُحْيِيكُمْ} ابتداء ما شاء أن يحييكم في الدنيا {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} فيها عند انقضاء آجالكم {ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ} بعد البعث جميعًا أولكم وآخركم، صغيركم وكبيركم، منتهين {إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} للجزاء ثم أكد ذلك {لَا رَيْبَ فِيهِ} ؛ أي: لا شك في هذا البعث والجمع، فإن من قدر على البدء بقدر على الإعادة، والحكمة اقتضت الجمع للجزاء، لا محالة لتجزى كل نفس بما كسبت، والأديان جميعًا متضافرة على تحققه، وحصوله يوم القيامة، والوعد المصدق بالمعجزات دل على وقوعه حتمًا، والإتيان بآبائهم حيث كان، مزاحمًا للحكمة التشريعية امتنع إيقاعه.
وقصارى ما سلف: أن البعث أمر ممكن، أخبر به الأنبياء الصادقون، والحكمة تقتضي حصوله، والعقل يؤيده فهو واقع لا محالة {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ} يعني: الكفرة {لَا يَعْلَمُونَ} تحتم البعث والجزاء بمقتضى وعده؛ أي: ينكرون البعث، ويستبعدون عودة الأجساد بعد موتها، وحين تكون عظامًا نخرة، كما قال: {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7) } ؛ أي: يرون وقوعه بعيدًا، والمؤمنون يرونه قريبًا وما دعاهم إلى ذلك إلا جهلهم، وقصر نظرهم، وهذا استدراك على قوله: {لَا رَيْبَ فِيهِ} بأن فيه شائبة ريب ما، وفيه إشارة إلى أن الله يحييكم بالحياة الإنسانية، ثم يميتكم عن صفة الإنسانية الحيوانية، ثم يجمعكم بالحياة الربانية إلى يوم القيامة، وهي النشأة الأخرى لا ريب في هذا عند أهل النظر، ولكن أكثر الناس لا يعلمون؛ لأنهم أهل النسيان والغفلة.
وَفِيْ الْجَهْلِ قَبْلَ الْمَوْتِ مَوْتٌ لأَهْلِهِ ... وَأَجْسَامُهُمْ قَبْلَ الْقُبُوْرِ قُبُوْرُ
وإِنَّ أَمْرَأً لَمْ يَحْيَ بِالْعِلْمِ مَيِّتٌ ... وَلَيْسَ لَهُ حِيْنَ النُّشُوْرِ نُشُوْرُ
انتهى انتهى {حدائق الروح والريحان. 26/ 434 - 467} ...