وقوله تعالى: {هذا عذاب أليم} يحتمل أن يكون إخباراً من الله تعالى ، كأنه يعجب منه على نحو من قوله تعالى لما وصف قصة الذبح: {إن هذا لهو البلاء المبين} [الصافات: 106] ، ويحتمل أن يكون {هذا عذاب أليم} من قول الناس ، كأن تقدير الكلام: يقولون هذا عذاب أليم ، ويؤيد هذا التأويل سياقه حكاية عنهم أنهم يقولون {ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون} ، وعلم الله تعالى أن قولهم في حال الشدة {إنا مؤمنون} إنما هو عن غير حقيقة منهم ، فدل على ذلك بقوله: {أنى لهم الذكرى} ، أي من أين لهم أن يتذكروا وهم قد تركوا الذكرى وراء ظهورهم بأن جاءهم رسول مبين ، وهو محمد عليه السلام فكفروا به. و {تولوا عنه} أي أعرضوا ، وقالوا إنه يعلم هذا الكلام الذي يتلو وأنه {مجنون} ، وإخباره تعالى بأنه يكشف عنهم {العذاب قليلاً} إخبار عن إقامة الحجة عليهم ومبالغة في الإملاء لهم ، ثم أخبرهم بأنهم عائدون إلى الكفر. وقال قتادة: هو توعد بمعاد الآخرة ، ثم أخبرهم بأنه ينتقم منهم بسبب هذا كله في يوم البطشة ، وقدم اليوم وذكره على الذي عمل فيه تهمماً به وتخويفاً منه ، والعامل فيه {منتقمون} ، وقد ضعف البصريون هذا من حيث هو خبر إن ، وأبعدوا أن يعمل خبرها فيما قبلها ، وقالوا العامل فعل مضمر يدل عليه {منتقمون} .
واختلف الناس في يوم {البطشة الكبرى} ، فقال ابن عباس والحسن وعكرمة وقتادة: هو يوم القيامة وقال عبد الله بن مسعود وابن عباس أيضاً وأبي بن كعب ومجاهد: هو يوم بدر.
وقرأ جمهور الناس:"نَبطِش"بفتح النون وكسر الطاء. وقرأ الحسن بن أبي الحسن: بضم الطاء. وقرأ الحسن أيضاً وأبو رجاء وطلحة بن مصرف: بضم النون وكسر الطاء ، ومعناها: نسلط عليهم من يبطش بهم ، ثم ذكر تعالى قوم فرعون على جهة المثال لقريش.