فقيل: يا رسول الله، استسق الله لمضر فإنها قد هلكت، فاستسقى لهم فسقوا، فأنزل الله:
إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ.
قال ابن كثير: «وهذا الحديث مخرج في الصحيحين، ورواه الإمام أحمد في مسنده، وهو عند الترمذي والنسائي في تفسيرهما، وعند ابن جرير وابن أبى حاتم من طرق متعددة» .
وعلى هذا الرأي يكون الدخان قد وقع فعلا، بمعنى أن المشركين قد أصابهم بلاء شديد في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم. ثم كشف الله عنهم منه ما كشف ببركة دعاء النبي صلّى الله عليه وسلّم.
أما الاتجاه الثاني فيرى أصحابه، أن المراد بالدخان، ما يكون قبل يوم القيامة من دخان يسبق ذلك، كعلامة من علامات البعث والنشور ..
واستدل أصحاب هذا الاتجاه، بأحاديث ذكرها المفسرون.
قال ابن كثير: «وقال آخرون: لم يمض الدخان بعد، بل هو من أمارات الساعة، كما تقدم من حديث حذيفة بن أسيد الغفاري. قال: أشرف علينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من غرفته ونحن نتذاكر الساعة، فقال: «لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى ابن مريم، والدجال وثلاثة خسوف: خسوف بالمشرق وخسوف بالمغرب، وخسوف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس - أو تحشر الناس - تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل حيث قالوا» .
ثم ساق ابن كثير بعد ذلك أحاديث أخرى، وقال في نهايتها: والظاهر أن ذلك يوم القيامة».
ويبدو لنا أن الاتجاه الأول أقرب إلى سياق الآيات التي ذكرها الله - تعالى - في هذه السورة، ولا يتعارض ذلك مع كون ظهور الدخان علامة من علامات قرب يوم القيامة، كما جاء في حديث حذيفة بن أسيد الغفاري، الذي ذكره ابن كثير - رحمه الله - وقال في شأنه:
تفرد بإخراجه مسلم في صحيحه.
ومن المفسرين الذين رجحوا الاتجاه الأول الإمام الطبري، فقد قال بعد أن ساق هذين القولين: وأولى القولين بالصواب في ذلك قول ابن مسعود، من أن الدخان الذي أمر الله - تعالى - نبيه أن يرتقبه، هو ما أصاب قومه من الجهد بدعائه عليهم.