والحق أن المراد بها ليلة القدر، التي أنزل فيها القرآن من شهر رمضان، كما نصت على ذلك آية سورة البقرة التي تقول: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ....
والأحاديث التي أوردها بعضهم في أن المراد بها ليلة النصف من شعبان، أحاديث مرسلة أو ضعيفة، أو لا أساس لها .. فثبت أن المراد بها ليلة القدر.
وقوله - سبحانه -: إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ استئناف مبين لمقتضى الإنزال ..
والإنذار: إخبار فيه تخويف وترهيب، كما أن التبشير إخبار فيه تأمين وترغيب.
أي: أنزلنا هذا القرآن في تلك الليلة المباركة، أو ابتدأنا إنزاله فيها، لأن من شأننا أن نخوف بكتبنا ووحينا، حتى لا يقع الناس في أمر نهيناهم عن الوقوع فيه.
وقوله - تعالى -: فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ جملة مستأنفة - أيضا - لبيان وجه تخصيص هذه الليلة بإنزال القرآن فيها.
وقوله يُفْرَقُ أي: يفصل ويبين ويكتب. وحَكِيمٍ أي: ذو حكمة، أو محكم لا تغيير فيه.
أي: في هذه الليلة المباركة يفصل ويبين ويكتب، كل أمر ذي حكمة باهرة، وهذا الأمر صادر عن الله - تعالى - ، الذي لا راد لقضائه، ولا مبدل لحكمه.
قال صاحب الكشاف ما ملخصه: فإن قلت: إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ. فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ما موقع هاتين الجملتين؟
قلت: هما جملتان مستأنفتان، فسر بهما جواب القسم الذي هو قوله - تعالى -: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ كأنه قيل: أنزلناه لأن من شأننا الإنذار والتحذير من العقاب، وكان إنزالنا إياه في هذه الليلة خصوصا، لأن إنزال القرآن من الأمور الحكيمة، وهذه الليلة مفرق كل أمر حكيم.
ومعنى يُفْرَقُ يفصل ويكتب كل أمر حكيم من أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمورهم .. ».
ثم بين - سبحانه - أن مرد هذه الكتابة والتقدير للأشياء إليه وحده فقال: أَمْراً مِنْ عِنْدِنا ...
ولفظ أَمْراً .. يرى بعضهم أنه حال من كُلُّ أَمْرٍ .. أي: يفرق في هذه الليلة المباركة كل أمر ذي حكمة، حالة كون هذا الأمر من عندنا وحدنا لا من عند غيرنا.