أقسم الله سبحانه بالقرآن المظيم تشريفا له وتنويها بعلو قدره حيث قال: {وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ} وأشار جواب هذا القسم إلى أن إنزاله في ليلة ذات فضل وبركة لما ينزل الله على عباده فيها من البركات والخيرات بنزوله المستتبع للفوائد الدينية والدنيوية بأجمعها حيث قال سبحانه: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} وهي ليلة القدر على الأصح بدليل قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} وقوله: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} ويراد من إنزاله فيها أنه ابتدئ إنزاله كما قيل، أو أُنزل جملة فيها إلى السماء الدنيا من اللوح المحفوظ، ثم نزل به جبريل - عليه السلام - على الرسول منجما في ثلاث وعشرين سنة علي حسب الأسباب، وقيل: كان ينزل منه في كل ليلة من ليالى القدر إلى سماء الدنيا ما ينزل في سائر السنة.
وفي تعيين هذه الليلة من شهر رمضان أقوال كثيرة، أشهرها: أنه أنزل في إحدى ليالى الوتر من العشر الأخير منه، ومنهم من قال: إنها ليلة السابع والعشرين منه، وهو المشهور بين الناس. ومن العلماء من قال: إن الليلة المباركة هي ليلة النصف من شعبان، وقال القرطبي نقلا عن الزمخشرى: وليس في ليلة النصف من شعبان حديث في فضلها ولا في نسخ الآجال فيها فلا تلتفتوا إليها، وفي البحر قال الحافظ أبو بكر ابن العربي: لا يصح فيها شيء ولا نسخ الآجال فيها، وعلق الآلوسي على ذلك بأنه لا يخلو من مجازفة , والله أعلم.
(إنا كنا منذرين) : استئناف مبين لما يقتضي الإنزال كأنه قال: إنا أنزلناه لأن من شأننا ألا نترك الناس دون إنذار وتحذير من العذاب رحمة بهم لنلزمهم الحجة