والثاني: أَمْ مَنْ خَلَقْنا قبلهم من الأمم السالفة ، والمعنى: إنهم ليسوا بأقوى من أولئك وقد أهلكناهم بالتكذيب ، فما الذي يؤمن هؤلاء؟!.
ثم ذكر خلق الناس فقال: {إِنّا خَلَقْناهم مِنْ طينٍ لازِبٍ} قال الفراء ، وابن قتيبة: أي: لاصقٍ لازمٍ ، والباء تُبدَلُ من الميم لقُربِ مَخْرَجيهما.
قال ابن عباس: هو الطيّن الحُرُّ الجيِّد اللَّزِقُ.
وقال غيره: هو الطِّين الذي يَنْشَف عنه الماءُ وتبقى رطوبتُه في باطنه فيَلْصَق باليد كالشمع.
وهذا إِخبار عن تساوي الأصل في خَلْقهم وخَلْق مَن قَبْلَهم ؛ فمن قدَر على إِهلاك الأقوياء ، قَدرَ على إهلاك الضُّعفاء.
قوله تعالى: {بل عَجِبْتَ} "بل"معناه: تركُ الكلام الأول والأخذُ في الكلام الآخر ، كأنه قال: دع يا محمد ما مضى.
وفي {عَجِبْتَ} قراءتان: قرأ ابن كثير ، ونافع ، وعاصم ، وأبو عمرو ، وابن عامر: {بل عَجِبْتَ} بفتح التاء.
وقرأ عليّ بن أبي طالب ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وأبو عبد الرحمن السلمي ، وعكرمة ، وقتادة ، وأبو مجلز ، والنخعي ، وطلحة بن مصرف ، والأعمش ، وابن أبي ليلى ، وحمزة ، والكسائي في آخرين: {بل عَجِبْتُ} بضم التاء ، [واختارها الفراء] .
فمن فتح أراد: بل عَجِبْتَ يا محمد {ويَسْخَرونَ} هم.
قال ابن السائب: أنتَ تَعْجَبُ منهم ، وهم يَسْخَرون منك.
وفي ما عجبَ منه قولان:
أحدهما: من الكفار إِذ لم يؤمِنوا بالقرآن.
والثاني: إذ كفروا بالبعث.
ومن ضَمَّ ، أراد الإِخبار عن الله عز وجل أنه عَجِبَ ، قال الفراء: وهي قراءة عليّ ، وعبد الله ، وابن عباس ، وهي أحبُّ إليّ ، وقد أنكر هذه القراءة قوم ، منهم شريح القاضي ، فإنه قال: إن الله لا يَعْجَب إِنما يَعْجَبَ مَنْ لا يَعْلَم.