أي: لمجازون، ذكر أهل التفسير سببًا نزلت لمن أجله زعموه، وأنه رجل تصدق بجميع ماله ابتغاء وجه الله العظيم،
ثم احتاج فاستجدى رجلاً من معارفه فسأله: ما فعل مالك؟ قال: وجهته لله تعالى،
فقال له: أئنك لمن المصدقين بهذا لا أعطيك شيئًا أبدًا، وهذا ولو صحَّ فلا ينبغي أن
يقصر على سببه، بل لكل مكلف قرين قيضه الله لمن يمتحنه به من الجن أو من
الإنس أو منهما، فإن كان شقيّا رضاه به وجعله سامعًا له مطيعًا، وإن كان سعيدًا لم
يرضه به وعصاه فأبدله من ذلك بقرين خير يكون من الإنس أو من الملائكة -
عليهم السلام - أو منهما، ومن عصمه الله فهو المعصوم، ومن خذله فهو المحروم،
ويجمع الضال مع قرينه والمهتدي بقرينه الهادي.
فقيل لهذا المهتدي: (فَاطَّلَعَ ...(55) . فكشف الله له ما بينه وبين النار (فَرَآهُ) مبعدًا عنه
(فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ) ذلك لأنه عصاه وخالف أمره سواء كل شيء
وسطه، يقال من ذلك: تعبت حتى انقطع سواي، أي: وسطي.
يقول له: (تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ(56) . الردى: الهلاك (وَلَوْلَا [نِعْمَةُ] ...(57)
رحمة (رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) المحضر هو: الذي أحضر
للعذاب، ثم رجع إلى جلسائه وأصحابه الكلام وهم له سرورًا وفرحًا بما صار إليه
وغبطة به.
يقولون: (أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ(58) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (59)
فرحوا بأن لا موت عليهم أبدًا في محلهم ذلك، إذ أهل النار
يتمنون الموت فلا يعطونه، ويأتيهم الموت من كل مكان وما هم بميين، خالدين
في العذاب الأليم لا يموتون ولا يحيون - نعوذ بالله - من أحوال أهل النار في
الدنيا والآخرة، ولأن قومًا من الموحدين يدخلون النار - نعوذ بالله - من ذلك
بذنوب أصابوها، ثم يموتون فيها إماتة حتى يخرجون منها بالشفاعة لذلك، والله
أعلم بما ينزل.
قالوا: أفما نحن بميتين وما نحن بمعذبين، فاستاقوا صفين وعددوا يومئذٍ؛ هذه
النعمة، والأشقياء أيضًا لا يموتون فيها ولا يحيون لهذا (لِمِثْلِ هَذَا ...(61) . يقول: