ثم وجه القسم بالملائكة الذين ذكر - واللَّه أعلم -: أنه عَزَّ وَجَلَّ قد عظم شأن الملائكة وأمرهم في قلوب أُولَئِكَ الكفرة حتى قالوا: (لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا) ، وقولهم: (لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ) ، وقول فرعون: (أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ) ، وقولهم: (لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا) ، وما وصفهم اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: أنهم (لا يعصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ...) الآية، (لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ) الآية، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ...) الآية، عظم اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أمر الملائكة عليهم وأعظم، شأنهم في قلوب أُولَئِكَ الكفرة وصدقهم عندهم؛ لذلك أقسم بهم على وحدانيته بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ(4) على هذا وقع القسم.
ثم أخبر عن صنع ذلك الواحد الذي هو إلهكم وإله الخلق جميعًا، وذكر نعته، فقال - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ(5)
يخبر عن وحدانيته وتفرده حيث أنشأ السماوات وأنشأ الأرض وما ذكر، وجعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض على بعد ما بينهما، ومنافع المشارق متصلة بمنافع المغارب على بعد ما بينهما، ولو كان فعل عدد لمنع اتصال منافع بعض ببعض على ما يكون من فعل ذوي عدد وغلبة بعض على بعض، فإذا لم يمتنع ذلك، بل اتصل بعض ببعض؛ دل أنه فعل واحد لا شريك له.