16 -ثم خصصوا بعض ما ينكرون مما يدعيه من الحشر والبعث، فقالوا: {أَإِذا} ؛ أي: أنبعث إذا {مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا} ؛ أي: وكان بعض أجزائنا ترابًا وبعضها عظامًا. وتقديم التراب لأنه منقلب عن الأجزاء البالية، فالعامل في إِذا هو ما دل عليه قوله: {أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} وهو أنبعث لا نفس مبعوثون لتوسط ما يمنع من عمله فيه؛ أي: لا نبعث، فإن الهمزة فيه للإنكار الذي يراد به: النفي. وتقديم الظرف لتقوية الإنكار للبعث بتوجيهه إلى حالة منافية له غاية المنافاة. وهذا الإنكار منهم للبعث هو السبب الذي لأجله كذبوا الرسل وما نزل عليهم، واستهزؤوا بما جاؤوا به من المعجزات.
17 -والهمزة في قوله: {أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ} للاستفهام الإنكاري أيضًا، والواو للعطف، و {آباؤُنَا} مبتدأ، خبره محذوف عند سيبويه؛ أي: و {آباؤُنَا الْأَوَّلُونَ} ؛ أي: الأقدمون أيضًا مبعوثون؛ أي: لا يبعثون. ومرادهم زيادة الاستبعاد، بناء على أنهم أقدم، فبعثهم أبعد على زعمهم.
وقرأ الجمهور: {أَوَآباؤُنَا} بفتح الواو على أن الواو حرف عطف، دخلت عليه همزة الاستفهام. وقرأ أبو جعفر، وشيبة، وابن عامر، ونافع في رواية قالون بسكون الواو على أن {أو} هي العاطفة. وفي «فتح الرحمن» : ختم الآية هنا بقوله: {أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} ، وختم التي بعدها بقوله: {أَإِنَّا لَمَدِينُونَ} ؛ أي: لمجزيون ومحاسبون، لأن الأولى في حق المنكرين للبعث، والثانية في حق المنكرين للجزاء، وإن كان كل منهما مستلزمًا للآخر، انتهى.
ومعنى الآية: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ...} إلخ؛ أي: إنا لو تقبلنا منه بعض ما يقول، وإن كان فيه ما يدهش العقول، لا نتقبل منه تلك المقالة. وهي إحياء العظام النخرة، والأجسام التي صارت ترابا إن هذا إلا إحدى الكبر، فلا ينبغي أن نوجه النظر إلى مثل هذه الآراء التي لا يقبلها العقل، ولا يصل إلى مثلها الفكر. ثم زادوا في استبعادهم وتعظيم تعجبهم، فقالوا: {أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (17) } ؛ أي: أيبعث آباؤنا الأولون أيضًا. وهذا أغرب؛ لأن أباءهم أقدم منهم، فبعثهم أشد غرابة وأكثر استبعادًا.