قال القراء في قوله (هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ) هذا الرجل من أهل الجنة كان له أخ من أهل الكفر
وأحب أن يرى مكانه، فيأذن الله له، فيطلع إليه في النار ويخاطبه. فإذا رآه قال (تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ) قال: وفي حرف عبد الله (لتغوين) ولولا رحمة رَبِّي (لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) معك في النار.
والعامل في قوله: (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا) مضمر، كأنه قال: نُدان ونُجازى إنا
لمدينون. ولا يجوز أن يعمل فيه (مدينون) ، لأن الاستفهام لا يعمل ما بعده فيما قبله.
ويقال: مُتُّ ومِتُّ، وكان القياس أن يقول من يقول (مِتُّ) (أمُات) إلا أنه جاء (فَعِل يفعُل)
ومثله: دمتُ أدُوم وفَضِل يَفضُل، وقد حكى الكسائي: مِتَ تماتُ ودمتَ تدامُ على القياس، كما تقول:
خِفتُ أُخَافُ ونمِتُ أنامُ.
قوله تعالى: (أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ(62)
الألف في قوله (أَذَلِكَ خَيْرٌ) : ألف تبكيب وتقريع، وشجرة الزقوم: هي الشجرة الملعونة في
القرآن، وكانت فتنتهم بها أن أبا جهل قال: النار تأكل الشجر، فكيف ينبت فيها الشجر؟
وللعلماء عن هذا جوابان:
أحدهما: أنها شجرة من النار.
والثاني: أنها من جوهر لا تأكله النار، وقد استقصيت شرح هذا في سورة بني إسرائيل. وذكر ابن
إسحاق أن أبا جهل لما سمع"شجرة الزقوم"قال: أتعلمون ما شجرة الزقوم؟ - قالوا: لا، قال؛ عجوة يثرب، بسمن الحجاز، والله لنتزقمهاً تزقمًا،
فأنزل الله تعالى: (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ(43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) .
(فصل)
ومما يسأل عنه أن يقال: إنما يشبه الشيء بما يُعرف. ورؤوس الشياطين لا تُعرف. فكيف شبَّه طلع هذه الشجرة برؤوس الشياطين وهي لا تعرف؟
وعن هذا ثلاثة أجوبة:
أحدها: أن رؤوس الشياطين ثمرة شجرة يقال لها الأستن، وإياه عنى النابغة:
تَحِيْدُ عن أَسْتَنٍ سُوْدٍ أسافِلُها ... مثلَ الإِماءِ الغوادي تَحْمِل الحُزَمَا
وهذه الشجرة تشبه بني آدم، قال الأصمعي: ويقال له"الصوم"، وأنشد: