وكذا قال الله لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ) فيسأل الصبر ، إنه غير مملوك ولا مستطاع إلا بالله ، وقد
أمر الله به الناس كافة فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا) ، أفيجوز لأحد أن يقول: أمر الله المؤمنين بشيء قد أخبر أنهم لا يستطيعونه إلا به ، وذلك ظلم منه كما يزعمون
-ويلهم - أن المدعي على الله - جل جلاله - بقضاء المعصية على من
أمره بتركها مجوره. أَوَلا يعتبرون أن الأعمال كلها أسوة الصبر قد أمر
الله المأمورين بجميعها ، وطاقتهم فيها معا طاقة واحدة لا يقدرون على
شيء منها إلا به ، كما لا يقدرون على الصبر إلا به ، والله - جل
وتعالى - عادل فيما أمرهم ، ومتفضل على من أعانه عليه ، وغير
جائز على من حجب عنه المعونة ثم عاقبه على الجناية ، ونسبها إليه
وسماه بها ظالما ، ونفسه عادلا ، وكل ذلك حكم منتظم وخبر
صادق ، وعلم كيفيته وكيفية صدقه محجوب عمن هو عبد ذليل
بالعبودية جاهل بكل ما لم يعلم. ألا ترى إلى قول الملائكة: (قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا) ، وهذا علم لم يُعلِّمه اللهُ بشرًا
ولا مَلَكاً ، بل ألزم الجميع أن يؤمنوا بعدله عرفوه أم لم يعرفوه ، كما
ألزمهم سائر الفرائض ليكونوا عبيدا مقهورين مؤتمرين غير مقحمين على
ما لم يطلعوا عليه من سره في قضائه وقدره.
وفيما أخبر عن الغلام أيضاً دليل على الاستثناء مقدما ومؤخرا ،
استثناء محسوب لمستثنيه ، فهو هاهنا مقدم ، وفي قوله: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) مؤخر.
وقوله تعالى: (وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ(104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا).
دليل على أن كلام الله غير مخلوق.
وفيه دليل على أنه رأى في المنام أنه يقدمه للذبح لا أنه يذبحه ، إذ لو
كان رأى ذبحه ما صدق رؤياه بالتقديم للذبح ، فيكون قوله: (أَني