عن طلب الحجة والفحص عن الأشياء ، وبذل الجهد في الاستقصاء في
أمر الدين ، وعول على التقليد أداه إلى ما لا تحمد عاقبته ، ولا يرتضى
طريقه ، كما أدى هؤلاء حين لهوا عن آيات الرسل ، وما أتوهم به
من الحق عن ربهم ، فظنوا أن آباءهم أصدق من رسلهم ، وأعرف
بمواضع الحجة من أنفسهم.
المعتزلة.
وقوله: (قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ(95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96)
حجة على المعتزلة في خلق الأفعال ، لأن الله - جل جلاله - لم يخلق
الصنم صنما منحوتا صورة كما خلق سائر الصور ، والقوم لم يعبدوا ما
نَحتوا منه الصنم كهيئة ما خلقه الله. فكيف يجوز أن يكذب عليهم
إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - مع نبوته وخلته ، فيوبخهم على ما لم
يفعلوا. إذا القوم لم يعبدوا حجرا ، ولا خشبا قبل النحت ، وإنما
وبخهم على ما فعلوا ، وفعلهم في العبادة واقع على صورة الصنم لا
على الشيء الذي نحت منه الصنم ، فليس يخلو قوله: (وَمَا تَعمَلُونَ)
من أن يكون واقعا على نص النحت وهو عمل ، أو عليه وعلى غيره
من الأعمال. وعلى ما وقع من هذين فالحجة ظاهرة عليهم.
وقوله: (وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ(99)
حجة عليهم في تبري إبراهيم - صلى الله عليه - من الهداية
والاستهداء من ربه .
المعتزلة:
وقوله: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ(102)
دليل على أن رؤيا الأنبياء حَق ، يعلمون به كما يعلمون بالرسالة ،
ويثبت به الحجة على الناس ثبوتها بالرسالة.
وقوله إخبارًا عن الغلام: (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ)
حجة على المعتزلة والقدرية ، ألا ترى أن الغلام كيف استثنى في صبره
عِلْما منه بأنه غير مالك له ، وأن الله - جل ئناؤه - هو الذي يصبره