تقريع آخر لهم على جهالاتهم وسفههم، حيث أضرب - سبحانه - عن الكلام الأول إلى ما هو أشد منه في التبكيت والتأنيب.
أي: إنهم زعموا أنه لربك البنات ولهم البنون، فهل كانوا حاضرين وقت أن خلقنا الملائكة حتى يعرفوا أنهم إناث؟
كلا إنهم لم يكونوا حاضرين وإنما هم يهرفون بما لا يعرفون.
وشبيه بهذه الآية قوله تعالى: {وَجَعَلُواْ الملائكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إِنَاثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ}
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : لم قال: {وَهُمْ شَاهِدُونَ} فخص علم المشاهدة.
قلت: ما هو إلا الاستهزاء بهم وتجهيل. . وذلك لأنهم كما لم يعلموا ذلك بطريق المشاهدة، لم يعلموه بخلق علمه في قلوبهم، ولا بإخبار صادق، ولا بطريق استدلال ونظر.
(فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ(161) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (162)
وقوله: {مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ} نافية والضمير في"عليه"يعود على الله - عز وجل - والجار والمجرور متعلق {بفاتنين} والمراد بالفتن: هنا الإِفساد، من قولهم: فلا نفتن على فلان خادمة. إذا أفسده. وجملة {مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ} خبر إن.
والمعنى: إذا أدركتم - أيها المشركون - ما قلناه لكم. فثقوا أنكم أنتم وآلهتكم لن تستطيعوا أن تضلوا أحدا هداه الله تعالى لكنكم تستطيعون أن تضلوا من كان من أهل الجحيم مثلكم.
فالمقصود بهذه الآيات الكريمة، الاستخفاف بالمشركين وبآلهتهم، وبيان أن من هداه الله، تعالى - لا سلطان لهم عليه في إغوائه أو إضلاله.
قال صاحب الكشاف: والضمير في"عليه"لله تعالى ومعناه: فإنكم ومعبوديكم ما أنتم وهم جميعا بفاتنين على الله، إلا أصحاب النار الذين سبق في علمه أنهم لسوء أعمالهم يستوجبون أن يصلوها.
«فإن قلت» : كيف يفتنونهم على الله؟
قلت: يفسدونهم عليه بإغوائهم واستهوائهم.
من قولك: فتن فلان على فلان امرأته، كما تقول: أفسدها وخيبها عليه. انتهى انتهى {التفسير الوسيط، لـ طنطاوي} ...