79 -ثم أمر الله سبحانه، نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، أن يجيبهم عن استبعادهم ويبكتهم بتذكيرهم بما نسوه من حقيقة أمرهم، وخلقهم من العدم، فقال: {قُلْ} يا محمد، تبكيتًا لذلك الإنسان، المنكر للبعث، بتذكير ما نسيه من الفطرة، الدالة على حقيقة الحال. {يُحْيِيهَا} ؛ أي: يحيي تلك العظام الخالق {الَّذِي أَنْشَأَها} ؛ أي: خلقها وأوجدها {أَوَّلَ مَرَّةٍ} ؛ أي: في أول مرة ولم تكن شيئًا، ومن قدر على النشأة الأولى، قدر على النشأة الثانية. فإن قدرته كما هي لاستحالة التغير فيها، والمادة على حالها في القابلية اللازمة لذاتها. وهو من النصوص القاطعة، الناطقة بحشر الأجساد، استدلالًا بالابتداء على الإعادة. وفيه رد على من لم يقل به، وتكذيب له.
{وَهُوَ} ؛ أي: الله المنشئ سبحانه {بِكُلِّ خَلْقٍ} ؛ أي: مخلوق {عَلِيمٌ} لا تخفى عليه خافية، ولا يخرج عن علمه خارج كائنًا ما كان، يعلم تفاصيل المخلوقات بعلمه وكيفية خلقها. فيعلم أجزاء الأشخاص المتفتتة المتفرقة في المشارق والمغارب، والتي بعضها في أبدان السباع، وبعضها في جدران الرباع، أصولها وفروعها وأوضاع بعضها من بعض، من الاتصال والانفصال والاجتماع والافتراق، فيعيد كلا من ذلك، على النمط السابق، مع القوى التي كانت قبل.
وقد استدل أبو حنيفة، وبعض أصحاب الشافعي، بهذه الآية، على أن العظام، مما تحله الحياة. وقال الشافعي: لا تحله الحياة، وأن المراد بقوله: {مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ} ؛ أي: من يحيي أصحاب العظام على تقدير مضاف محذوف، ورد بأن هذا التقدير خلاف الظاهر.