أحدهما:"ستفترق أمتي على اثنين وسبعين فرقة كلها فِي النار إلا واحدة"، وفي الخبر الآخر:"كلها فِي الجنة إلا واحدة"وهم الزنادقة
وهذان خبران لا يمتنع أن يكونا صحيحين، ولكن على نظرين ومعنيين، وقد ذكر ذلك وبين فِي رسالة مفردة. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد خير خلقه.
النطق والصمت
النطق أشرف ما خص به الإنسان، فإنه صورته المعقولة التي بها باين سائر الحيوان، ولهذا قال تعالى: (خلق الإنسان(3) علمه البيان (4)
ولم يقل: وعلمه البيان، إذ جعل قوله: (علمه) تفسيرا لقوله: (( خلق الإنسان تنبيها أن خلقه تعالى إياه هو تخصيصه بالبيان الذي لو توهم مرتفعا عنه لكانت الإنسانية مرتفعة، ولذلك قيل: ما الإنسان لولا اللسان إلا بهيمة مهملة أو صورة ممثلة، وقيل: المرء مخبوء تحت لسانه، وقال الشاعر:
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
أي: إذا توهم ارتفاع النطق الذي هو اللسان والقوة الناطقة التي هي بالفؤاد
لم يبق إلا صورة اللحم والدم، فإذا كان الإنسان هو الإنسان بذلك فلا شك أن من كان أكثر منه حظا كان أكثر منه إنسانية.
والصمت من حيث ما هو صمت مذموم فذلك من صفة الجمادات فضلا عن
الحيوانات، وقد جعل الله تعالى بعض الحيوانات بلا صوت، وجعل لبعضها صوتا بلا تركيب، ومن مدح الصمت فاعتبارا بمن يسيء فِي الكلام فيقع منه جنايات عظيمة فِي أمور الدين والدنيا.
كما روي أن الإنسان إذا أصبح كفرت أعضاؤه لسانه فتقول: اتق الله فينا، فإنك إن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا، فأما إذا اعتبرا بنفسيهما فمحال أن يقال فِي الصمت فضل فضلا أن يخاير بينه وبين النطق، وقد سئل حكيم عن أفضلهما: فقال: الصمت أفضل حتى يحتاج إلى النطق وسئل آخر فقال:
الصمت عن الخنا أفضل من الكلام بالخطا وعنه أخذ الشاعر فقال:
الصمت أحسن بالفتى ... من منطق فِي غير حينه