وقال أبو علي الفارسي: {مَا} في قوله: {وَمَا آتَيْتُمْ} يحتمل تقديرين؛ يجوز أن تكون للجزاء، ويجوز أن تكون موصولة؛ فإن قدرتها جزاء كانت في موضع نصب بـ: {آتَيْتُمْ} وقوله تعالى: {فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ} في موضع جزم بأنه جواب للجزاء، ويقوي هذا الوجه: قوله: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ} ألا ترى أنه لو كان مبتدأً لعاد عليه ذكرٌ، وإن جعلتها موصولة كان موضع {مَا} رفعًا بالابتداء، و {آتَيْتُمْ} صلة، والعائد إلى الموصول: الذكر المحذوف من {آتَيْتُمْ} وقوله: {فَلَا يَرْبُو} في موضع رفع بأنه خبر الابتداء، والفاء دخلت في الخبر على حد بما دخلت في قوله: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: 53] .
وقوله: {آتَيْتُمْ} أكثر القراء قرأ: {آتَيْتُمْ} بالمد، إلى قول: من مد كأنه قيل: ما جئتم من ربًا، ومجيئهم ذلك على وجه الإعطاء له كما قال: أتيت الخطأَ، وأتيت الصوابَ، وأتيت قبيحًا، قال الشاعر:
أتيتُ الذي يأتي السفيه لِغرتي ... إلى أن علا وَخْطٌ من الشيبِ مَفْرِقي
فإتيانه الذي يأتي السفيه إنما هو فعل منه له.
وقوله: {مِنْ رِبًا} على ضربين؛ أحدهما: متوعد عليه محرم بقوله: {وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} [البقرة: 278] والآخرُ غير محرم: وهو أن يُهدِي شيئًا، أو يهبه فيستثيب أكثر منه. وسمي بهذا المدفوع على وجه اجتلاب الزيادة: ربًا، لَمَّا كان الغرض فيه الاستزادة على ما أَعطى، فسمي باسم الزيادة، لمكان الزيادة المقصودة في المكافأة، والربا هو: الزيادة، فبذلك سُمِّي المحرم ربًا، لزيادة ما يأخذ على ما دَفع.
وقوله: {لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ} فاعل (يَرْبُوَا) الربا المذكور في قوله: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا} وقُدِّر المضاف فحذفه، كأنه: في اجتلاب أموال الناس، أو اجتذابه، ونحو ذلك.