وهذه المسألة واضحة في كفالة اليتيم ، فلو أن المجتمع الإيماني عوَّضه عن أبيه عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم:"أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة"لاطمأنَّ كلُّ أب على أولاده إنْ مات وتركهم ؛ لأنهم في مجتمع يُعوضهم عن أبيهم بآباء كثيرين .
والإنسان إنْ كان آمناً مُنعَّماً ، فإنما يُنغِّص هذه النعمة أنها عُرْضة لأنْ تزول ، فيريد الله أنْ يُؤمِّن لعبده الحياة الكريمة في امتداده من بعده ، وهذا هو التأمين الحق الذي أرسله الله قضية تأمينية في الكون ، ليست في شركات التأمين ، إنما في يده سبحانه حيث قال: {وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ الله وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} [النساء: 9] فإذا اتقوا الله وقالوا القول السديد ، فإن يتيمهم يصادف أناساً يكفلونه ، ويخافون عليه ، ويتولَّوْن أمره .
وسبق أنْ تعرَّضْنا في سورة الكهف لقصة الجدار الذي تبرع الخضر - عليه السلام - ببنائه مع أنه في قرية أهلها لئام منعوهم حتى الطعام . وقلنا: إن سؤال الطعام هو أصدق سؤال ، ولا يُرَدُّ سائله ، ومع ذلك بناه الخضر ، وقال في بيان أمر الجدار: {وَأَمَّا الجدار فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي المدينة وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً ...} [الكهف: 82] .
فصلاح الأبويْن ينفع الغلامين ، فيُسخِّر الله لهما مَنْ يبني لهما الجدار ، ويحافظ لهما على كنزهما حتى يكبرا ، ويستطيعا حمايته من هؤلاء اللئام الذين إذا علموا بأمره نهبوه من هذْين الصغيريْن .
ثم يحدثنا الحق سبحانه عن الفارق بين الهدية والصدقة ، فيقول: {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ ...} .