{لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ الله وأولئك هُمُ المفلحون} [الروم: 38] أي: في الوفاء بحقِّ ذي القربى والمسكين وابن السبيل ، يريد بذلك وجه الله ، لا يريد رياءً ولا سمعة ؛ لأن الذي يفعل خيراً يأخذ أجره مِمَّن فعل من أجله ، فمَنْ عمل لله مخلصاً فأجره على الله ، ومَنْ عمل للناس رياءً وسمعةَ فليأخذ أجره منهم .
وهؤلاء الذين وصفهم الله تعالى بقوله: {والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظمآن مَآءً حتى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ الله عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ والله سَرِيعُ الحساب} [النور: 39] أي: فوجيء بوجود إله لم يكُنْ في باله ولم يعمل من أجله .
فمعنى {يُرِيدُونَ وَجْهَ الله ...} [الروم: 38] أي: يقصدون بعملهم وجه الله ، سواء رآه الناس ، أو أخفى عمله ، حتى لا تعلم شماله ما صنعتْ يمينه ؛ لأن الأمر قائم على النية ، فقد تعطي أمام الناس ونيتك أنْ يتأسَّوْا بك ، أو لتكُفَّ عنك ألسنتهم وقدحهم في حقك .
وحين تعطي علانية بنية خالصة لله فإنها صدقة مخصِّبة للعطاء ، مخصِّبة للأجر ؛ لأنك ستكون أُسْوة لغيرك فيعطي ، ويكون لك من الأجر مثله ؛ لأن مَنْ سَنَّ حسنة فله أجرها وأجر مَنْ عمل بها إلى يوم القيامة .
والقرآن عرض علينا هذه القضية في قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بالمن والأذى كالذي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ الناس وَلاَ يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر ...} [البقرة: 264] .
ثم يعطينا مثلاً توضيحياً: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ على شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين} [البقرة: 264] .