قال الشوكاني: وإذا الفجائية وإن كانت أكثر ما تقع بعد الفاء، لكنها وقعت هنا بعد ثم، بالنسبة إلى ما يليق بهذه الحالة الخاصة، وهي أطوار الإنسان، كما حكاها الله - تعالى - في
مواضع، من كونه نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظما مكسوا لحما. .
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى بيان آية ثانية، دالة على كمال قدرته ورأفته بعباده، فقال:
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً أي: ومن آياته الدالة على رحمته بكم، أنه - سبحانه - خلق لكم مِنْ أَنْفُسِكُمْ أي: من جنسكم في البشرية والإنسانية أزواجا.
قال الآلوسي: قوله: مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً فإن خلق أصل أزواجكم حواء من ضلع آدم - عليه السلام - متضمن لخلقهن من أنفسكم «فمن» للتبعيض والأنفس بمعناها الحقيقي، ويجوز أن تكون «من» ابتدائية، والأنفس مجاز عن الجنس، أي: خلق لكم من جنسكم لا من جنس آخر، قيل: وهو الأوفق لما بعد.
وقوله - سبحانه -: لِتَسْكُنُوا إِلَيْها بيان لعلة خلقهم على هذه الطريقة. أي:
خلق لكم من جنسكم أزواجا، لتسكنوا إليها، ويميل بعضكم إلى بعض، فإن الجنس إلى الجنس أميل، والنوع إلى النوع أكثر ائتلافا وانسجاما وَجَعَلَ - سبحانه - بَيْنَكُمْ يا معشر الأزواج والزوجات مَوَدَّةً وَرَحْمَةً أي: محبة ورأفة، لم تكن بينكم قبل ذلك، وإنما حدثت عن طريق الزواج الذي شرعه - سبحانه - بين الرجال والنساء، والذي وصفه - تعالى - بهذا الوصف الدقيق، في قوله - عز وجل -: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ.
إِنَّ فِي ذلِكَ الذي ذكرناه لكم قبل ذلك لَآياتٍ عظيمة تهدى إلى الرشد وإلى الاعتبار لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ في مظاهر قدرة الله - تعالى - ورحمته بخلقه.