وقال بعضهم: أفعل هنا ليس للتفضيل، بل هو بمعنى فعيل، فيكون أهون بمعنى هين، مثل الله أكبر بمعنى كبير، قال الفرزدق:
إِنَّ الَّذِيْ سَمَكَ السَّمَاءَ بَنَى لَنَا ... بَيْتًا دَعَاِئِمُهُ أَعَزَّ وَأَطْوَلُ
أي: عزيزة طويلة، وقيل: الضمير في عليه للخلق، وهو؛ أي: العود أهون؛ أي: أيسر أو أسرع عليهم؛ أي: على الخلق؛ لأنه يصاح بهم صيحة واحدة، فيقومون دفعةً، ويقال لهم: كونوا فيكونون، فذلك أهون عليهم من أن يكونوا نطفةً، ثم علقةً ثم مضغةَ إلى النشأة، وقرأ عبد الله بن مسعود: {وهو عليه هين} .
وقال الزمخشري:
فَإِنْ قُلْتَ: لم أخر الصلة في قوله: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} وقدمت في قوله: {هُوَ عَلَيّ هيَنٌ} ؟
قلت: هنالك قصد الاختصاص، وهو تجبره، فقيل: و {هُوَ عَلَيّ هَيّنٌ} ، وإن كان مستصعبًا عندك أن يولد بين هرم وعاجز، وأما هنا: فلا معنى للاختصاص، كيف والأمر مبني على ما يعقلون، من أن الإعادة أسهل من الابتداء، فلو قدمت الصلة لتغير المعنى. انتهى.
{وَلَه} سبحانه وتعالى، لا لغيره {الْمَثَلُ الْأَعْلَى} ؛ أي: الوصف الأعلى، العجيب الشأن، من القدرة العامة، والحكمة التامة، وسائر صفات الكمال، التي ليست لغيره تعالى ما يدانيها، فضلًا عما يساويها، فالمثل بمعنى الصفة، كما في قوله تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي} وقوله: {مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ} ؛ أي: صفتها وصفتم، قاله الخليل، وقال مجاهد: المثل الأعلى: قول لا إله إلا الله، وبه قال قتادة، أراد به الوصف بالوحدانية، يعني له الصفة العليا، وهي: أنه لا إله إلا هو، ولا رب سواه: وقيل: المثل الأعلى: هو أنه ليس كمثله شيء، وقيل: هو أنه ما أراده كان بقول: كن.
وقوله: {فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} متعلق بمضمون الجملة المتقدمة، على معنى أنه تعالى قد وصف بالمثل الأعلى، وعرف به فيهما على ألسنة الخلائق؛ أي: نطقًا، وألسنة الدلائل؛ أي: دلالةً، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من {الْأَعْلَى} ، أو من {الْمَثَلُ} ، أو من الضمير في {الْأَعْلَى} .