والرابع: انها لما صرحت بأن البشر هو المقصود من الخلقة وأن له عند خالقه لموقعاً عظيما، اختلج فِي ذهن السامع انه كيف يكون للبشر هذه القيمة مع كثرة شروره وفساده؟ وهل تستلزم الحكمة وجوده للعبادة والتقديس له تعالى؟ فأشارت هذه إلى أن تلك الشرور والمفاسد تُغتفر فِي جنب السرّ المُودع فيه، وأن الله غني عن عبادته إذ له تعالى من الملائكة المسبِّحين والمقدِّسين ما لا يحصر بل لحكمة فِي علم علاّم الغيوب.
وأما نظم الجمل بعضها مع بعض فهو:
ان الآية تنصبُّ بناء على اقتضاء"اذ"رديفا لها، وعطفه على (وهو بكل شيء عليم) - إلى تقدير 1 إذ خلق ما خلق منتظما متقنا هكذا واذ قال ربك للملئكة الخ، وانه تعالى لما خاطب مع الملائكة - ليستفسروا سرّ الحكمة ولتعليم
طريق المشاورة قائلا (اني جاعل فِي الأرض خليفة) - توجه ذهن السامع بسرّ المقاولة إلى ما"قالوا"؟ وبسرّ الاستفسار عن حكمته مع التعجب إلى (أتجعل فيها) ؟ وبسر استخلافهم عن الجن المفسدين مع توديع القوة الغضبية والشهوية فيهم أيضا إلى (من يفسد فيها) بتجاوز القوة الثانية (ويسفك الدماء) بتجاوز القوة الأولى. ثم بعد تمام السؤال والاستفسار والتعجب ينتظر ذهن السامع لجوابه تعالى. فقال: (قال اني اعلم مالا تعلمون) أي فالأشياء ليست منحصرة فِي معلوماتكم. فعدم علمكم ليس امارة على العدم، واني حكيم، لي فيهم حكمة يغتفر فِي جنبها فسادهم وسفكهم.
أما نظم هيئات جملة جملة، فاعلم! أن الواو فِي (واذ قال ربك للملئكة اني جاعل فِي الأرض خليفة) وكذا فِي (واذ قال ربك للملئكة اني خالق بشراً من صلصال) فِي آية أخرى بسر المناسبة العطفية إشارة إلى"إذ واذ"كما مر. وكذا - بسر أن الوحي يتضمن"ذَكِّرهُمْ بِذَلِكَ"إشارة إلى"واذكر لهم اذ"الخ ..
1 وذلك لعدم وجود علاقة بين الآيتين (ت: 228)