استواء لأن الاستواء يسمى قصدًا، يقال: أمر قاصد وعلى قصد، إذا كان على استواء واستقامة، فلما سمي الاستواء قصدًا، سمي القصد استواء، وإن لم يكن المراد بالقصد الاستقامة، ظنًّا منهم أن كليهما سواء لما اجتمعا في التسمية في موضع، هذا تعليل ذكره بعض أصحاب المعاني لتسميتهم القصد: استواءً وإن كانت اللغة لا تعلل.
وأما استوى بمعنى: استولى، فقد يكون، وكأنه يقول: (استوت له الأمور فاستولى) ، ثم وضع (استوى) موضع (استولى) .
وقال الأخفش: استوى أي: علا، تقول: استويت فوق الدابة وعلى ظهر البيت أي علوته.
وهذا القول اختيار محمد بن جرير قال: ومعناه ارتفع ارتفاع ملك وسطان، لا ارتفاع انتقال وزوال، وإنما هو ارتفاع تدبيره وحكمه وسلطانه، وهذا قريب من قول ابن عباس وتوجيه الزجاج لقوله.
وقوله تعالى {فَسَوَّاهُنَّ} . حقيقة (التسوية) الجعل على الاستواء، يقال سويت الشيئين فاستويا، والفرق بينه وبين التقويم أن التسوية قد تكون بالحكم أن الشيئين يستويان، والتقويم لا يكون بالحكم، وإنما يكون
بالفعل.
وجمع الكناية في {فَسَوَّاهُنَّ} لأنه أراد بلفظ (السماء) جميع السماوات كقولهم: كثر الدرهم والدينار في أيدي الناس، يراد الجمع، وكثيراً ما يذكر الواحد والمراد به الجمع، كقوله تعالى: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي} [الشعراء:77] وقوله: {إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:16] . وكما أنشده قطرب:
أَلاَ إِنَّ جِيرَانِي العَشِيَّة رَائِحٌ ... دَعَتْهُمْ دَوَاعٍ مِنْ هَوى وَمنَادِحُ
ويجوز أن يراد بالسماء جمع سماة أو سماوة، على ما ذكرنا قبل. وجائز أن تعود الكناية على أجزاء السماء ونواحيها. وقوله تعالى: {سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} . (السبع) عدد المؤنث، والسبعة
للمذكر، وجاء التذكير والتأنيث في هذا على خلاف الأصل، لأنهم لما وضعوا العدد في أول أمره قبل أن يعلق على معنى تحته وأكثر من العدد، قالوا: أربعة خمسة، ثم أرادوا بعد ذلك تعليقه على المعدود، وكان المذكر هو الأول جعلوا الأول للأول، والثاني للثاني.
ولهذا علل كثيرة يذكر في غير هذا الكتاب.
وقوله تعالى: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . أي من كفرهم ونفاقهم وكتمهم وصفك يا محمد.
وقيل: إنه لما ذكر ما يدل على القدرة والاستيلاء وصل ذلك بوصفه بالعلم، إذ به يصح الفعل المحكم المتقن. وقيل: هو بكل شي عليم من الخلق والتسوية.