(وفي الحديث معنى ما ترجم له؛ لأن قريشًا كانت تُعظِّم أمر الكعبة جدًّا، فخشي صلى الله عليه وسلم أن يظنوا - لأجل قرب عهدهم بالإسلام - أنه غيَّر بناءها، لينفرد بالفخر عليهم في ذلك، ويستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة، وفيه ترك إنكار المنكر خشية الوقوع في أنكر منه، وأن الإمام يسوس رعيته بما فيه إصلاحهم، ولو كان مفضولاً، ما لم يكن محرَّمًا) [12] .
والأمثلة كثيرة، والدلائل لا حصر لها، ولكن أذكر ما كتبه الشيخ سيد قطب - رحمه الله تعالى - في مقدمة سورة الأنعام:
(لقد شاءت حكمة الله أن تكون قضيةُ العقيدة هي القضيةَ التي تتصدى لها الدعوةُ منذ اليوم الأول للرسالة، وأن يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى خطواته في الدعوة بدعوة الناس أن يشهدوا أن لا إله إلا الله ... ولم تكن هذه - في ظاهر الأمر، وفي نظرة العقل البشرى المحجوب - هي أيسرَ السبل إلى قلوب العرب ...
وكان في استطاعته - وهو الصادق الأمين - أن يُثِيرها قوميةً عربية تستهدف تجميع قبائل العرب التي أكلتها الثارات، وفرقتها النزاعات، وإعلاء راية العربية والعروبة، ولو دعا يومها هذه الدعوة، لاستجابت له العرب قاطبة، بدلاً من أن يعاني ثلاثة عشر عامًا في اتجاه معارضٍ لأهواء أصحاب السلطات في الجزيرة ... وكان في استطاعته صلى الله عليه وسلم أن يرفعها رايةً اجتماعية، وأن يثيرها حربًا على طبقة الأشراف لتعديل الأوضاع ورد أموال الأغنياء على الفقراء، وكان في استطاعته أن يُعلِنها دعوة إصلاحية، تتناول تقويم الأخلاق وتطهير المجتمع، وتزكية النفوس، وتعديل القيم والموازين، وكان واجدًا وقتها - كما يجد كل مصلح أخلاقي في أية بيئة - نفوسًا طيبة يُؤذِيها هذا الدنس المتمثل في الزنا والخمر والميسر، وغير ذلك، وتأخذها الأريحية والنخوة لتلبية دعوة الإصلاح والتطهير.
وربما قال قائل: إنه لو صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فاستجابت له - في أول الأمر - جمهرةٌ صالحة تتطهر أخلاقها، وتزكو أرواحها، فتُصبِح أقرب إلى قبول العقيدة وحملها، بدلاً من أن تثير دعوةُ (أن لا إله إلا الله) المعارضةَ القوية منذ أول الطريق.