3 - {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ} ؛ أي: أن جانبك وحالك وتواضع {لِمَنِ اتَّبَعَكَ} ، واقتدى بك {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} بالله سبحانه وبك، وترفق بهم وتجاوز عنهم، فإن ذلك أجدى لك، وأجلب لقلوبهم، وأكسب لمحبتهم، وأفضى إلى معونتك والإخلاص لك. و {مِنَ} للتبيين؛ لأن (من أَتبع) أعم ممن اتسع لدين، أو قرابة، أو نسب، أو للتبعيض، على أن المراد بالمؤمنين المشارفون للإيمان والمصدقون باللسان.
فإن قلتَ: لِمَ قال: {لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ، ولم يقل: واخفض جناحك للمؤمنين، فما النكتة في هذا العدول؟
قلتُ: النكتة في هذا العدول إلى هذا الأسلوب إخراج المؤمن الغير المتابع؛ لأن كل متابع مؤمن، وليس كل مؤمن متابعًا، ولئلا يغتر المؤمن بدعوى الإيمان وهو بمعزل عن حقيقته التي لا تحصل إلا بالمتابعة. انتهى من"التأويلات النجمية".
يقال: خفض جناحه إذا ألانه، وفيه استعارة تصريحية، كما سيأتي في مبحث البلاغة. والمعنى: أن جناحك، وتواضع لمن اتبعك من المؤمنين، وأظهر لهم المحبة والكرامة، وتجاوز عما يبدو منهم من التقصير، واحتمل منهم سوء الأحوال، وعاشرهم بجميل الأخلاق، وتحمل عنهم كلهم، فإن حرموك فأعطهم، وإن ظلموك فتجاوز عنهم، وإن قصروا في حقي فاعف عنهم واستغفر لهم.
216 - {فَإِنْ عَصَوْكَ} ؛ أي خالفوا أمرك: ولم يتبعوك؛ أي: فإن خرجت عشيرتك عن الطاعة وخالفوك، ولم يتبعوك {فَقُلْ} لهم {إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} ؛ أي: من عملكم، أو من الذي تعملونه؛ أي: فإني بريء من عبادتكم لغير الله تعالى، ولا تبرأ منهم، وقيل لهم قولًا معروفًا بالنصح والعظة لعلهم يرجعون إلى طاعتك، وقبول الدعوة منك.
وهذا يدل على أن المراد بالمؤمنين المشارفون للإيمان المصدقون باللسان؛ لأن المؤمنين الخلص لا يعصونه ولا يخالفونه. والمعنى: أي: فإن عصاك من أنذرتهم من العشيرة فلا ضير عليك، وقد أديت ما أمرت به، ولا عليك إثم مما يعملون، وقيل لهم: إني بريء منكم ومن دعائكم مع الله إلهًا آخر، وإنكم ستجزون بجرمكم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.