213 -ثم لما قرر سبحانه حقية القرآن، وأنه منزل من عنده .. أمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بدعاء الله وحده، فقال: {فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} الفاء فيه للإفصاح؛ أي: إذا عرفت يا محمد حال الكفار، وأردت بيان ما هو اللازم لك من الأوامر والنواهي .. فأقول لك: لا تعبد مع الله سبحانه إلهًا غيره. {فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ} على إشراكه، الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، والمراد به غيره؛ لأنه معصوم من ذلك.
قال ابن عباس: يحذر به غيره، يقول: أنت أكرم الخلق عليّ، ولو اتخذت إلهًا غيري لعذبتك، فكيف بغيرك من العباد، وذلك من شأن الحكيم إذا أراد أن يؤكد الخطاب لأحد وجهه إلى الرؤساء في الظاهر.
وقيل: خوطب به النبي - صلى الله عليه وسلم - مع استحالة وقوع المنهي عنه؛ لأنه معصوم، تهييجًا لعزيمته، وحثًا على ازدياد الإخلاص، ولطفًا بسائر المكلفين ببيان أن الإشراك من القبيح والسوء بحيث ينهى عنه من لا يمكن صدوره منه، فكيف بمن عداه، وأن من كان أكرم الخلق عليه إذا عذب على تقدير اتخاذ إله آخر، فغيره أولى.
وحاصل ما في هذه الآيات: أنَّ الله سبحانه أمر نبيه بأربعة أوامر ونواه:
1 - {فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) } ؛ أي: أخلص العبادة لله وحده، ولا تشرك به سواه، فإن من أشرك به فقد عصاه، ومن عصاه فقد استحق عقابه. وفي هذا حث لرسوله على ازدياد الإخلاص. وبيان أن الإشراك قبيح بحيث ينهى عنه من لا يمكن صدوره منه، فيكون الوعيد لغيره أزجر، وله أقبل. وبعد أن بدأ بالرسول وتوعده إن دعا مع الله إلهًا آخر .. أمره بدعوة الأقرب فالأقرب؛ لأنه إذا تشدد على نفسه أولًا،
214 -ثم ثنى بالأقرب فالأقرب .. كان قوله لسواهم أنفع، وتأثيره أنجع، فقال:
2 - {وَأَنْذِرْ} ؛ أي: خوف العذاب الذي يستتبعه الشرك والمعاصي {عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} ؛ أي: الجماعة الذين كانوا أقرب الناس إليك في النسب، فأقرب الناس إليه بنو هاشم، ثم بنو المطلب، ثم سائر بطون قريش على ترتيب الأقرب فالأقرب؛ أي: وخوف الأقربين من عشيرتك وأهلك بأس الله سبحانه، وشديد عقابه لمن كفر به وأشرك به سواه.