بقصيده مني، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، ووالله إن لقوله الذي يقوله حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى، وإنه ليحطم ما تحته. قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه. قال: فدعني حتى أفكر فيه فلما فكر قال: إن هذا إلا سحر يؤثر يأثره عن غيره. فنزلت: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) } .
وروى البخاري من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - ومسلم عن عبد الله بن الصامت واللفظ لمسلم: أن أنيسًا أخا أبي ذرٍّ، قال لأبي ذرٍّ: لقيت رجلًا بمكة على دينك. قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون: شاعر، كاهن، ساحر. وكان أنيس أحد الشعراء. قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أَقْرَاءِ الشعر، فما يلتئم على لسان أحد بعدى أنه شعر، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون.
وفي رواية البخاري: فقال: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، ويقول كلاما ما هو بالشعر.
وروى مسلم أن ضماد بن ثعلبة الأزدي قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم: لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء ولقد بلغن ناعوس البحر.
وفي قصة عتبة بن ربيعة حين جاء يفاوض النبي - صلى الله عليه وسلم - على أن يترك دعوته، ويعرض عليه المال والملك والسلطان، فقرأ عليه - صلى الله عليه وسلم - شيئًا من القرآن، فلما رجع إلى قومه وجلسوا إليه قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني والله قد سمعت قولًا ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا الكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، خلُّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، واعتزلوه، ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تُصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي لكم فاصنعوا ما بدا لكم.