ولهذا كان أعداء الرسل كثيرًا ما يعظم عليهم أن يخضعوا لرجل منهم، وكانوا يعجبون أن يُوحى إلى بشر مثلهم، ويقترحون أن يروا الله جهرة أو تنزل لهم الملائكة عيانًا. فلو كان محمد - صلى الله عليه وسلم - صاحب هذا التنزيل، لخرج عن مستوى الخلق جملة، ولظهر في أفق الألوهية، يطل على العالم بعظمة تنقطع دونها الأعناق وتخضع لها الرقاب، وأن يحقق كل ما اقترحه معارضوه من الآيات؛ ولكنه اعترف بعبوديته حينذاك، وتبرأ من حوله وقوته إزاء هذا
الكتاب وغيره من المعجزات وخوارق العادات. اقرأ في سورة الإسراء: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (93) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (94) } [الإسراء: 90 - 94] .
الوجه السادس عشر: الفرق بين كلام الله - عز وجل - وبين كلام النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -.