والثالث: أن يكون ذلك المكان مكانًا يمر فيه الناس فبنوا فيه أعلاما يضلون الناس بها لما يرون أنه طريق ولم يكن ذلك، فكان قصدهم بذلك البناء باطلا، وكل باطل عبث، واللَّه أعلم.
وقوله: (لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ) : ولا تموتون، أي: تنفقون نفقة من يطمع أن يخلد في هذه الدنيا، ليس بنفقة من يموت ويرجو ثوابه وعاقبته.
أو أن يكون قوله: (لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ) لما وسع عليهم الدنيا ورزقهم الدعة يحسبون أنهم يخلدون؛ لأن من وسع عليه الدنيا ويكون له الدعة والسعة في هذه الدنيا، يطمئن فيها ويسكن؛ وهو كما قال: (يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ) ؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.
وقوله: (وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ(130)
كنى - واللَّه أعلم - بالجبار عن الظالم والمعتدي، أي: وإذا بطشتم بطشتم ظالمين.
والريع: - هو المكان المرتفع.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو الطريق.
ومصانع: قَالَ بَعْضُهُمْ: البنيان، وقيل: الحياض.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: الريع: ما ارتفع من الأرض، وجمع الريع: ريع، وجمع الريع أرياع؛ وهما واحد. والريع: الربح - أيضًا - تقول: أراع إذا ربحت عليه، وجمعه: أرياع.
ومصانع في موضع: قصور وفي موضع: حياض يجتمع فيها الماء، الواحد: مصنعة من كلاهما.
وقال: البطش: الأخذ، يقال: بطشت بفلان أبطش بطشًا؛ إذا أخذته وقبضت عليه.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ - أيضًا -: الريع: الارتفاع من الأرض، والمصانع: البناء، واحدها: مصنعة؛ فكان المعنى: أنهم يستوثقون في البناء والحصون، ويذهبون إلى أنها تحصنهم من أقدار اللَّه وقضائه، وهذا يشبه أن يكون ما ذكر؛ لأنه قال في آخره: (لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ) . أي: يبنون بناء كأنهم يخلدون ولا يموتون.
وقال: (وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ) . أي: إذا ضربتم بالسياط ضربتم ضرب الجبارين، وإذا عاقبتم قتلتم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: بطشتم: أخذتم بالظلم والاعتذار والاستحلال لما حرم اللَّه.