والذي يشهد لذلك ويرجحه أن القرآن لمَّا ذكرَ هذه القصةَ لأهل مدين وصف شعيباً بأنه أخوهم ، ولما ذكرها لأصحاب ليكة لم يصف شعيباً بأنه أخوهم إذ لم يكن شعيب نسيباً ولا صهراً لأصحاب ليكة ، وهذا إيماء دقيق إلى هذه النكتة.
ومما يرجح ذلك قوله تعالى في سورة الحجر (78 ، 79) {وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين} ، فجعل ضميرهم مثنى باعتبار أنهم مجموع قبيلتين: مدين وأصحاب ليكة.
وقد بيّنّا ذلك في سورة الحجر.
وإنما تُرسل الرسل من أهل المدائن قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً يُوحَى إليهم من أهل القرى} [يوسف: 109] وتكون الرسالة شاملة لمن حول القرية.
وافتتح شعيب دعوته بمثل دعوات الرسل من قبله للوجه الذي قدمناه.
وشمل قوله: {ألا تتقون} النهي عن الإشراك فقد كانوا مشركين كما في آية سورة هود.
أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181)
استئناف من كلامه انتقل به من غرض الدعوة الأصلية بقوله: {ألا تَتّقون} [الشعراء: 177] إلى آخره إلى الدعوة التفصيلية بوضع قوانين المعاملة بينهم ، فقد كانوا مع شركهم بالله يطفّفون المكيال والميزان ويبخسون أشياء الناس إذا ابتاعوها منهم ، ويفسدون في الأرض.
فأما تطفيف الكيل والميزان فظلمٌ وأكل مال بالباطل ، ولما كان تجارهم قد تمالؤوا عليه اضطر الناس إلى التبايع بالتطفيف.
و {أوفوا} أمر بالإيفاء ، أي جعل الشيء وافياً ، أي تاماً ، أي اجعلوا الكيل غير ناقص.
والمُخْسِر: فاعل الخسارة لغيره ، أي المُنقص ، فمعنى {ولا تكونوا من المخسرين} لا تكونوا من المطفّفين.
وصوغ {من المخسرين} أبلغ من: لا تكونوا مُخسرين.
لأنه يدل على الأمر بالتبرُّؤ من أهل هذا الصنيع ، كما تقدم آنفاً في عدة آيات منها قوله: {لتكونَنَّ من المرجومين} [الشعراء: 116] في قصة نوح.