وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَوُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْقَلْبَ إِذَا غُشِيَ عَلَيْهِ فَلَوْ قُطِعَ سَائِرُ الْأَعْضَاءِ لَمْ يَحْصُلِ الشُّعُورُ بِهِ وَإِذَا أَفَاقَ الْقَلْبُ فَإِنَّهُ يَشْعُرُ بِجَمِيعِ مَا يَنْزِلُ بِالْأَعْضَاءِ مِنَ الْآفَاتِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ سائر الأعراض النفسانية وثانيها: أن القلب إذا فرح أو حزن فإنه بتغير حَالُ الْأَعْضَاءِ عِنْدَ ذَلِكَ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي سَائِرِ الْأَعْرَاضِ النَّفْسَانِيَّةِ.
وَثَانِيهَا: أَنَّ الْقَلْبَ مَنْبَعُ الْمَشَاقِّ الْبَاعِثَةِ عَلَى الْأَفْعَالِ الصَّادِرَةِ مِنْ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ وَإِذَا كَانَتِ الْمَشَاقُّ مَبَادِئَ لِلْأَفْعَالِ وَمَنْبَعُهَا هُوَ الْقَلْبُ كَانَ الْآمِرُ الْمُطْلَقُ هُوَ الْقَلْبَ
وَثَالِثُهَا: أَنَّ مَعْدِنَ الْعَقْلِ هُوَ الْقَلْبُ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الْآمِرُ الْمُطْلَقُ هُوَ الْقَلْبَ.
(كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ(200) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (201)
قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : فَإِنْ قُلْتَ: مَا مَوْقِعُ (لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ) مِنْ قَوْلِهِ (سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ) ؟
قُلْتُ مَوْقِعُهُ مِنْهُ مُوقِعُ الْمُوَضِّحِ وَالْمُبَيِّنِ، لِأَنَّهُ مَسُوقٌ لِثباتِهِ مُؤَكِّدٌ لِلْجُحُودِ فِي قُلُوبِهِمْ، فَاتَّبَعَ مَا يُقَرِّرُ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ أَنَّهُمْ لَا يَزَالُونَ عَلَى التكذيب به حتى يعاينوا الوعيد.
(وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ(208)
فَإِنْ قُلْتَ كَيْفَ عَزَلْتَ الْوَاوَ عَنِ الْجُمْلَةِ بَعْدَ (إِلَّا) وَلَمْ تَعْزِلْ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: (وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ) [الْحِجْرِ: 4] ؟
قُلْتُ: الْأَصْلُ عَزْلُ الْوَاوِ لِأَنَّ الْجُمْلَةَ صِفَةٌ لِـ (قَرْيَةٍ) وَإِذَا زِيدَتْ فَلِتَأْكِيدِ وصل الصفة بالموصوف.
(وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ(210) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (212)