وكأن الحق تبارك وتعالى يريد أن ينصِّح خَلْقه: إنْ أردتَ أنْ تتوكل فتوكل على مَنْ ينفعك ولا يتركك ، على مَنْ يظل على العهد معك لا يتخلى عنك ، على مَنْ لا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء . هذه هي الفِطْنة .
لكن ما جدوى أن تتوكل على مَنْ ليس فيه حياة؟ وعلى فرض أن فيه حياةً دائمة فلا تضمن ألا يتغير قلبه عليك؟
{وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ} [الفرقان: 58] سبِّح يعني: نزِّه ، والتنزيه تضعه في إطار {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] فلله وجود ، ولك وجود ، لكن وجوده تعالى ليس كوجودك ، ولله صفة ولك نفس الصفة ، لكن صفته تعالى ليست كصفتك ، ولله تعالى فعل ، ولك فعل ، لكن فعله تعالى ليس كفعلك .
إذن: نزَّه الله في ذاته ، وفي صفاته ، وفي أفعاله عن مشابهة الخَلْق ، وما دام الحق سبحانه مُنزَّهاً في ذاته ، وفي صفاته ، وفي أفعاله ، فأنت تتوكّل على إله لا تطرأ عليه عوامل التغيير أبداً .
وهذا التنزيه لله تعالى ، وهذه العظمة والكبرياء له سبحانه في صالحك أنت أيها الإنسان ، من صالحك ألاَّ يوجد لله شبيه ، لا في وجوده ، ولا في بقائه ، ولا في تصرُّفه ، من صالحك أن يعرف كل إنسان أن هناك مَنْ هو أعلى منه ، وأن الخَلْق جميعاً محكومون بقانون الله ، فهذا يضمن لك أن تعيش معهم آمناً ، إذن: من الخير لنا أن يكون الإله ليس كمثله شيء ، وأن يكون سبحانه عالياً فوق كل شيء .
ويجب عليك حين تُنزه الله تعالى ألاَّ تُنزِّهه تنزيهاً مُجرّداً ، إنما تنزيهاً مقرونا بالحمد {وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ} [الفرقان: 58] فتحمده على أنه واحد لا شريك له ، ولا مثيلَ له ، وليس كمثله شيء ، ففي ظل هذه العقيدة لا يستطيع القويُّ أن يطغى على الضعيف ، ولا الغني على الفقير . . إلخ .