وَرَابِعُهَا: قَوْلُهُ: (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) [السَّجْدَةِ: 9] فَخَصَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ بِإِلْزَامِ الحجة مِنْهَا وَاسْتِدْعَاءِ الشُّكْرِ عَلَيْهَا، وَقَدْ قُلْنَا لَا طَائِلَ فِي السَّمْعِ وَالْأَبْصَارَ إِلَّا بِمَا يُؤَدِّيَانِ إِلَى الْقَلْبِ لِيَكُونَ الْقَلْبُ هُوَ الْقَاضِيَ فِيهِ والمتحكم
عَلَيْهِ، وَقَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصارًا وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ) [الْأَحْقَافِ: 26] فَجَعَلَ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ تَمَامَ مَا أَلْزَمَهُمْ مِنْ حُجَّتِهِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ الْفُؤَادُ الْقَاضِي فِيمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ
وَخَامِسُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ) [الْبَقَرَةِ: 7] فَجَعَلَ الْعَذَابَ لَازِمًا عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَقَالَ: (لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِها) [الْأَعْرَافِ: 179] وَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ قَصَدَ إِلَى نَفْيِ الْعِلْمِ عَنْهُمْ رَأْسًا، فَلَوْ ثَبَتَ الْعِلْمُ فِي غَيْرِ الْقَلْبِ كَثَبَاتِهِ فِي الْقَلْبِ لَمْ يَتِمَّ الْغَرَضُ فَهَذِهِ الْآيَاتُ وَمُشَاكِلُهَا نَاطِقَةٌ بِأَجْمَعِهَا أَنَّ الْقَلْبَ هُوَ الْمَقْصُودُ بِإِلْزَامِ الحجة، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَا قُرِنَ بِذِكْرِهِ مِنْ ذِكْرِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ فَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا آلَتَانِ لِلْقَلْبِ فِي تَأْدِيَةِ صُوَرِ الْمَحْسُوسَاتِ وَالْمَسْمُوعَاتِ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَمَا رَوَى النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ سَمِعْتُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»