السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْعَذَابَ النَّازِلَ بِعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ لُوطٍ وَغَيْرِهِمْ مَا كَانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ، بَلْ كَانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ قِرَانَاتِ الْكَوَاكِبِ وَاتِّصَالَاتِهَا عَلَى مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ النُّجُومِ؟
وَإِذَا قَامَ هَذَا الِاحْتِمَالُ لَمْ يَحْصُلِ الِاعْتِبَارُ بِهَذِهِ الْقَصَصِ، لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ إِنَّمَا يَحْصُلُ أَنْ لَوْ عَلِمْنَا أَنَّ نُزُولَ هَذَا الْعَذَابِ كَانَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ.
الثَّانِي: أَنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ يُنْزِلُ الْعَذَابَ مِحْنَةً لِلْمُكَلَّفِينَ وَابْتِلَاءً لَهُمْ عَلَى مَا قَالَ: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ) [مُحَمَّدٍ: 31] وَلِأَنَّهُ تَعَالَى قَدِ ابْتَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِالْبَلَاءِ الْعَظِيمِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَدُلَّ نُزُولُ الْبَلَاءِ بِهِمْ عَلَى كَوْنِهِمْ مُبْطِلِينَ؟
وَالْجَوَابُ: أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَنْزَلَ هَذِهِ الْقَصَصَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيَةً وَإِزَالَةً لِلْحُزْنِ عَنْ قَلْبِهِ، فَلَمَّا أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى مُحَمَّدًا أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ الْعَذَابَ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا أَنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ جَزَاءً عَلَى كُفْرِهِمْ، عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يحصل به التسلية وَالْفَرَحُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
(نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ(193) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194)
قَوْلُهُ: (عَلى قَلْبِكَ)
فِيهِ قَوْلَانِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ: (عَلى قَلْبِكَ) وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا أَنْزَلَهُ عَلَيْهِ لِيُؤَكِّدَ بِهِ أَنَّ ذَلِكَ الْمُنَزَّلَ مَحْفُوظٌ لِلرَّسُولِ مُتَمَكِّنٌ فِي قَلْبِهِ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّغْيِيرُ فَيُوثَقُ بِالْإِنْذَارِ الْوَاقِعِ مِنْهُ الَّذِي بَيَّنَ اللَّه تَعَالَى أَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ وَلِذَلِكَ قَالَ: (لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ)