ومتى قيل ما معنى قوله (وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ) كيف يصح أن يصير ذلك سبب هلاكهم وهو بأن يكون سببا لنجاتهم أقرب؟ وجوابنا أن المراد ما أهلكنا أهل قرية إلا بعد ازاحة العلة بالمنذرين الذين هم الأنبياء وبعد كفرهم بهم ونصبهم العداوة لهم فلذلك قال بعده (ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ) وفي قوله من بعد (وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ) دلالة على اعجاز القرآن لأنه لو جاز أن يقدر العباد عليه لجاز مثل ذلك في الشياطين الذين لمخالطتهم بنا يعرفون هذه اللغات وأدّبه الله تعالى بقوله (وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) بعد قوله تعالى (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) وقبل قوله تعالى (فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ) فلم يأمره من هذا القول في الكفار وأمره في المؤمنين بما ذكره ومن تأمل ذلك وتمسك بمثله في العدو والوليّ فله الحظ الكثير في استعمال الاخلاق الحسنة ثمّ قال تعالى(وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي
يَراكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ)فان المرء إذا تصوّر فيما يأتيه أنه جل وعز يراه ويعلم كان أقرب إلى أن لا يفعل الا ما يحسن منه والتوكل على الله هو أن يلتمس الخير ويبتعد عن الشر فيما عهد الله تعالى إليه ولا يفارق هذه الطريقة إلى ما يكرهه وليس التوكل ما يدعيه قوم من أعمال الخير وترك التكسب والاشتغال بطلب ما يحتاج إليه من الناس فان ذلك محرم في أكثر الآيات.
انتهى انتهى. {تنزيه القرآن عن المطاعن / للقاضي عبد الجبار (المعتزلي) صـ 295 - 300} .