والحياة سبقتْ الموت في كل الآيات ، إلا في آية واحدة في سورة تبارك: {الذي خَلَقَ الموت والحياة . .} [الملك: 2] وعِلَّة ذلك أن الله تعالى يعطي للإنسان بالحياة إرادةً تُنشِيء الحركة في كل أجهزته ، ولك أن تتأمل: ما الذي تفعله إنْ أردتَ أن تقوم من مكانك؟ ماذا تفعل إنْ أردتَ تحريك يدك أو قدمك؟ إنها مجرد إرادة وتتحرك أعضاؤك دون أن تدري أو تُجهد نفسك للقيام بهذه الحركات ، ودون أن تباشر أي شيء .
إذن: بمجرد إرادتك تنفعل لك الجوارح وأنت مخلوق لربك ، فإذا كان المخلوق يفعل ما يريد بلا معالجة ، فكيف نستبعد هذا في حقِّه - سبحانه وتعالى - ونكذب أنه يقول للشيء: كُنْ فيكون ، مع أننا نفعل ما نريد بجوارحنا بمجرد الإرادة ، ودون أن نأمرها بشيء أو نقول شيئاً ، والله سبحانه وتعالى يقول للشيء: كُنْ فيكون ، وأنت تفعل دون أن تقول .
وقد قدَّم الحق سبحانه الموتَ في هذه الآية: {الذي خَلَقَ الموت والحياة . .} [الملك: 2] ؛ لأن الحياة ستُورث الإنسانَ غروراً في سيطرة إرادته على جوارحه فيطغى ، فأراد ربه - عز وجل - أن يُنبهه: تذكّر أنني أميتُ ؛ ليستقبل الحياة ومعها نقيضها ، فيستقيم في حركة الحياة .
وصفة الخَلْق والإماتة صفات لله قديمة قبل أنْ يخلق شيئاً أو يميت شيئاً ؛ لأنها صفات ثابتة لله قبل أنْ يباشر متعلقات هذه الصفات كما قلنا ، ولله المثل الأعلى: الشاعر حين يقول قصيدة قالها لأنه شاعر ولا نقول: إنه شاعر لأنه قال هذه القصيدة ، فلولا صفة الشعر فيه ما قال .
وكما أن الحياة مخلوقة ، فالموت كذلك مخلوق ، وقد يقول قائل: إذا أطلقتَ رصاصة على شخص أردَتْهُ قتيلاً فقد خلقتَ الموت .
نقول: الحمد لله أنك لم تدَّع الإحياء واكتفيتَ بالموت ، لكن فَرْق بين الموت والقتل ، القتل نَقْض للبِنْية يتبعه إزهاق للروح ، أما الموت فتخرج الروح أولاً دون نَقْض للبنية .