وقد رأينا مثل هؤلاء الذين صبروا على أقدار الله في بلادهم ، رأيناهم في اليمن بعد أن أغرقها سيل العرم ، وكانت تُسمَّى"اليمن السعيد"ورأيناهم في السعودية وفي الكويت ، وحكى لنا أهل هذه البلاد ما كانوا فيه من الضيق وقسوة الحياة ، ثم جاءتهم عاقبة صبرهم ، وجعل الله - سبحانه وتعالى - هذه الجبال وهذه الصحراوات أغنى بلاد الدنيا ؛ لأنهم رَضُوا في الأولى بقضاء الله ، فأبدلهم بصبرهم على لأواء الصحراء نعيماً ، لو حُرِم منه المنعّمون في الدنيا لماتوا من البرد .
ذلك لأن الخالق - عز وجل - نثر خيراته في كل أنحاء الأرض بالتساوي ، فكل قطعة طولية من الأرض فيها من الخيرات مثل ما في القطعة الأخرى ، وفي يوم من الأيام كان أصحاب الزرع هم أصحاب المال وأصحاب السيادة ، ثم تغيرت هذه الصورة بظهور خَيْرات أخرى غير الزراعة ، فالخيرات - إذن - مطمورة في أنحاء الأرض لكن لها أوان تظهر فيه .
إذن: فبَثُّ الخليقة ونشْرُها في أنحاء الأرض له حكمة أرادها الخالق عز وجل .
ثم يقول الحق سبحانه: {وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [المؤمنون: 79] يعني: لا تفهموا أنكم بنشركم في الأرض وتفريقكم فيها أنكم تفلتون منا ، أو أننا لا نقدر على جمعكم مرة أخرى ، فكما نشرناكم لحكمة نجمعكم لحكمة لا يخرج من أيدينا أحد .
ثم يقول الحق سبحانه: {وَهُوَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اختلاف . .} .
{يُحْيِي وَيُمِيتُ . .} [المؤمنون: 80] فِعْلان لا بُدَّ أن ينشآ بعد وجود الحياة ووجود الموت ، فالخالق - عز وجل - يُوجِد الحياة أولاً ، ويوجد الموت ، ثم يجري حدثاً منهما على ما يريده .