البعض يقول في معنى {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} [المؤمنون: 78] أنه تعالى عبَّر عن عدم الشُّكْر بالقلة ، وهذا الفهم لا يستقيم هنا ؛ لأن الله تعالى أثبت لعباده شكراً لكنه قليل ، وربك - عز وجل - يريد شكراً دائماً يصاحب كل نعمة ينعم بها عليك ، فساعة ترى الأعمى الذي حُرِم نعمة البصر يتخبَّط في الطريق تقول الحمد لله ، تقولها هكذا بالفطرة ؛ لأنك تعيش وتتقلب في نعَم الله ، لكن لا تتذكرها إلا حين ترى مَنْ حُرِم منها .
لذلك ، إنْ أردتَ أنْ تدوم لك النعمة فاعقلها بِذكْر الله المنعم قُلْ عند النعمة ، أو عند رؤية ما يعجبك في أهل أو مال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله ، أَلاّ ترى أن الله تعالى جعل الحسد لينبهنا: إنْ أردتَ صيانة النعمة فلا تنسَ المنعِمَ ؛ لأنه وحده القادر على حِفْظها وصيانتها ، وجعلتَ حفظها إلى مَنْ صنعها . ولا يُصاب الإنسان في النعمة إلا إذا غفل عن المنعم وترك الشُّكْر عليها .
وأذكر أنه كان في قريتنا رجل من أهل الفهم عن الله ، وكان يملك ثلث فدان يزرعه المزروعات التقليدية ، وفي أحد الأعوام زرعه قطناً ، فجاءت عليه الدودة وكادت تهلكه ، فكلَّمه والدي في مسألة الدودة هذه فقال له: يا عم متولي لا تقلق فأنا أؤدي صيانتها يعني: أُخرِج منها الزكاة .
ثم يقول الحق سبحانه: {وَهُوَ الذي ذَرَأَكُمْ فِي الأرض . .} .
{ذَرَأَكُمْ . .} [المؤمنون: 79] بثكم ونشركم في أنحاء الأرض لتعمر كلها ، وتعجب حين ترى أناساً متشبثين بالجبال والصحراء القفر الجرداء ، ولا يرضون بها بديلاً ، ويتحملون في سبيل البقاء بها العَنَت والمشقة ، حتى إنك لتقول: لماذا لا يتركون هذا المكان إلى مكان خصب .