ورابعها: حاله مع ملك زمانه فِي قوله: {رَبّىَ الذي يُحْىِ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْىِ وَأُمِيتُ} [البقرة: 258] إلى آخره وكل من سلمت فطرته علم أن علم الكلام ليس إلا تقرير هذه الدلائل ودفع الأسئلة والمعارضات عنها ، فهذا كله بحث إبراهيم عليه السلام فِي المبدأ ، وأما بحثه فِي المعاد فقال: {رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ الموتى} [البقرة: 26] إلى آخره وأما موسى عليه السلام فانظر إلى مناظرته مع فرعون فِي التوحيد والنبوة ، أما التوحيد فاعلم أن موسى عليه السلام إنما يعول فِي أكثر الأمر على دلائل إبراهيم عليه السلام وذلك لأن الله تعالى حكى فِي سورة طه: {قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يا موسى قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَئ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى} [طه: 49 ، 50] وهذا هو الدليل الذي ذكره إبراهيم عليه السلام فِي قوله: {الذي خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ} [الشعراء: 78] وقال فِي سورة الشعراء {رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءابَائِكُمُ الأولين} [الشعراء: 26] وهذا هو الذي قاله إبراهيم: {رَبّىَ الذي يُحْىِ وَيُمِيتُ} (فلما لم يكتف فرعون بذلك وطالبه بشيء آخر قال موسى: {رَّبُّ المشرق والمغرب} [الشعراء: 28] وهذا هو الذي قال إ براهيم عليه السلام {فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب} [البقرة: 258] فهذا ينبهك على أن التمسك بهذه الدلائل حرفة هؤلاء المعصومين وأنهم كما استفادوها من عقولهم فقد توارثوها من أسلافهم الطاهرين ، وأما استدلال موسى على النبوة بالمعجزة ففي قوله: {أَولو جِئْتُكَ بِشَئ مُّبِينٍ} [الشعراء: 30] وهذا هو الاستدلال بالمعجزة على الصدق ، وأما محمد عليه الصلاة والسلام فاشتغاله بالدلائل على التوحيد والنبوة والمعاد أظهر من أن يحتاج فيه إلى التطويل ، فإن القرآن مملوء منه ولقد كان عليه السلام مبتلى بجميع فرق الكفار فالأول: الدهرية الذين كانوا يقولون: وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ